تَزَوَّجْتُكِ الْآنَ إِذَا أَهَلَّ شَهْرُ رَمَضَانَ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا ، فَأَوْلَى إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مُدَّةِ إِجَازَتِهَا أَنْ يَكُونَ فَاسِدًا ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا بَطَلَ فِي أَقْوَى الْحَالَيْنِ ، كَانَ بُطْلَانُهُ فِي أَضْعَفِهِمَا أَوْلَى . فَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ فَضَعِيفٌ ، وَالْمَشْهُورُ مِنَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ رَدَّ نِكَاحَهَا وَلَمْ يُخَيِّرْهَا ، وَلَوْ سَلَّمَنَا أَنَّهُ خَيَّرَهَا لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى وَقْتِ الْفَسْخِ لَا وَقْتَ الْإِمْضَاءِ: لِأَنَّ أَبَاهَا قَدْ كَانَ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِوَقْفِ الْوَصِيَّةِ ، وَالتَّصَدُّقِ بِاللُّقَطَةِ ، فَالْوَصِيَّةُ يَجُوزُ وَقْفُهَا لِجَوَازِهَا بِالْمَجْهُولِ وَالْمَعْدُومِ وَلَيْسَ كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ الْبَاطِلَيْنِ عَلَى الْمَجْهُولِ وَالْمَعْدُومِ ، وَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِاللُّقَطَةِ فَلَا يَجُوزُ وَقْفُهُ بَلْ إِنْ لَمْ يَتَمَلَّكِ اللُّقَطَةَ كَانَتْ فِي يَدِهِ أَمَانَةً لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا ، وَإِنْ تَمَلَّكَهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا كَانَتْ عَنْ نَفْسِهِ وَإِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْأَجَلَ بَطَلَ الْقِيَاسُ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِجَوَازِ وَقْفِ النِّكَاحِ عَلَى الْفَسْخِ فَكَذَلِكَ عَلَى الْإِجَازَةِ بَاطِلٌ: لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى الْفَسْخِ قَدْ تَعَلَّقَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ ، فَصَحَّ الْمَوْقُوفُ عَلَى الْإِجَازَةِ ، وَقَدِ انْتَفَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ النِّكَاحِ فَبَطَلَ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِوَقْفِهِ بَعْدَ الْبَذْلِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّا نَمْنَعُ مِنْ وَقْفِ الْعَقْدِ ، وَهُوَ قَبْلَ تَمَامِهِ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ لَيْسَ بِعَقْدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِوَقْفِ مَا لَيْسَ يَلْزَمُ عَلَى وَقْفِ عَقْدٍ يَلْزَمُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَالِاسْتِئْمَارُ لِلْبِكْرِ عَلَى اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ لَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدٍ رَدَّ مَا رَأَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنْ لِاسْتِطَابَةِ أَنْفُسِهِمْ ، وَلِيُقْتَدَى بِسُنَّتِهِ فِيهِمْ ، وَقَدْ أَمَرَ نُعَيْمًا أَنْ يُؤَامِرَ أُمَّ بِنْتِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الثَّيِّبُ فَاسْتِئْذَانُهَا وَاجِبٌ: لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَإِذْنُهَا يَكُونُ بِالْقَوْلِ الصَّرِيحِ ، وَأَمَّا الْبِكْرُ فَيَلْزَمُ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ أَنْ يَسْتَأْذِنَهَا سَوَاءً كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً: لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إِجْبَارُهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُدُ: يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُهَا: اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْتِئْذَانَ الْأَبِ لَهَا لَا يَجِبُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَوَازِ إِجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ صَغِيرَةً وَكَبِيرَةً: وَمَا رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ ، وَالْيَتِيمَةُ وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا ، فَلَمَّا خَصَّ الْيَتِيمَةَ بِالِاسْتِئْمَارِ - وَهِيَ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا - دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ لَا يَلْزَمُ اسْتِئْمَارَهَا . فَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا فَيُحْمَلُ مَعَ غَيْرِ الْأَبِ عَلَى الْإِيجَابِ وَمَعَ الْأَبِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُشَاوَرَةِ أُمَّتِهِ فَقَالَ تَعَالَى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ آلِ عِمْرَانَ: 159 ] لَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدٍ رَدَّ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .