أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْوَلِيِّ ، لِمُبَاشَرَتِهِ لَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الْوَلِيِّ ، بِتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ ، أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْوَلِيِّ نِصْفَيْنِ لِوُجُودِ التَّسْلِيطِ مِنَ الإِمَامِ وَوُجُودِ الْمُبَاشَرَةِ مِنَ الوَلِيِّ ، فَصَارَا فِيهِ شَرِيكَيْنِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا اسْتَقَرَّ تَعْيِينُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّقْسِيمِ كَانَ مَا ضَمِنَهُ الْوَلِيُّ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ غُرَّتِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ خَطَئِهِ الَّذِي تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ ، وَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ ، لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُ الْعَقْلَ دُونَ الْكَفَّارَةِ . فَأَمَّا مَا ضَمِنَهُ الْإِمَامُ مِنَ الدِّيَةِ أَوِ الْغُرَّةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ يَتَحَمَّلُونَهُ عَنْهُ ، لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ ضَمِنَ جَنِينَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْهَبَهَا فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا قَالَ لَعَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَضْرِبَهَا عَلَى قَوْمِكَ . يَعْنِي مِنْ قُرَيْشٍ ، لِأَنَّهُمْ عَاقِلَةُ عُمَرَ وَكَمَا يَتَحَمَّلُونَ عَنْهُ الْعَقْلَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ كَغَيْرِ الْإِمَامِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَكُونُ الدِّيَةُ أَوِ الْغُرَّةُ مَضْمُونَةً فِي بَيْتِ الْمَالِ ، لِأَنَّهُ يَكْثُرُ مِنَ الإِمَامِ لِمَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَا يَجِدُ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا وَالِاجْتِهَادِ فِيهَا بُدًّا ، فَلَوْ تَحَمَّلَتْ عَاقِلَتُهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ خَطَأِ اجْتِهَادِهِ عَجَزُوا عَنْهُ وَلَمْ يُطِيقُوهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي مَالِ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُمْ وَيَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ ، فَلِذَلِكَ كَانَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ . فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ مَصَالِحِهِمْ ، فَيَكُونُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ . قِيلَ: لَمَّا كَانَ سَبَبُهُ الْقِصَاصَ الَّذِي فِيهِ حِفْظُ حَيَاتِهِمْ وَصَلَاحُ أَنْفُسِهِمْ كَانَ مُوجِبُ الْخَطَأِ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ مَصَالِحِهِمْ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا ضَمِنَهُ مِنَ الدِّيَةِ أَوِ الْغُرَّةِ عَلَى تَأْجِيلِ الْخَطَأِ ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي بَيْتِ الْمَالِ كَالدِّيَةِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي مَعْنَى الْوُجُوبِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ فِي مَالِ الْإِمَامِ دُونَ بَيْتِ الْمَالِ ، لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ عَاقِلَتُهُ وَالْعَاقِلَةُ تَتَحَمَّلُ الدِّيَةَ دُونَ الْكَفَّارَةِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ قَتَلَ نَفَرًا قُتِلَ لِلْأَوَّلِ وَكَانَتِ الدِّيَاتُ لِمَنْ بَقِيَ فِي مَالِهِ فَإِنْ خَفِيَ الْأَوَّلُ مِنْهُمْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمْ قَتَلَ أَوَّلًا قُتِلَ بِهِ وَأُعْطِيَ الْبَاقُونَ الدِّيَاتِ مِنْ مَالِهِ .