كَلَامٌ تَامٌّ ، أَيْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِي تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ ، أَوِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، ثُمَّ قَالَ: عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ بِهِمَا ، وَهَذَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ ، أَيْ مَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الثَّلَاثَةِ"فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا"فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنْ لَا صِلَةَ فِي الْكَلَامِ إِذَا تَقَدَّمَهَا حُجَّةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [ الْأَعْرَافِ: ] ، مَعْنَاهُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمْ وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ إِلَّا بَعْدَ الطَّوَافِ ، كَانَ تَبَعًا لِلطَّوَافِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا كَالطَّوَافِ . قُلْنَا: هَذِهِ عِبْرَةٌ فَاسِدَةٌ وَحُجَّةٌ بَاطِلَةٌ: لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَجُوزُ إِلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ ، وَهُوَ رُكْنٌ كَالْوُقُوفِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الرَّمْيِ ، فَالْمَعْنَى فِي الرَّمْيِ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلْوُقُوفِ ، بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ عَمَّنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ وَالسَّعْيُ لَيْسَ بِتَابِعٍ لِلْوُقُوفِ ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهِ عَلَى مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ ، فَلَمَّا كَانَ الرَّمْيُ تَابِعًا ، لَمْ يَكُنْ رُكْنًا ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ السَّعْيُ تَابِعًا ، كَانَ رُكْنًا .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ السَّعْيِ فَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ أي السعي أَنْ يَتَقَدَّمَهُ الطَّوَافُ ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ لَيْسَ يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْعَ قَطُّ إِلَّا عَقِيبَ طَوَافٍ ، وَقَدْ طَافَ وَلَمْ يَسْعَ بَعْدَهُ ، وَلَوْ جَازَ السَّعْيُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ لَفَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً ؛ لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ نُسُكٌ لَا يَقَعُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَجَازَ فِعْلُهُ مُتَفَرِّدًا ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْ يُفْعَلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَنْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا فِي حَاجَةٍ عَارِضَةٍ أَوْ أَمْرٍ سَانِحٍ ، فَافْتَقَرَ إِلَى طَوَافٍ يَتَقَدَّمُهُ ؛ لِيَمْتَازَ عَمَّا لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَيَكُونَ خَالِصًا ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ تَقَدُّمَ الطَّوَافِ عَلَيْهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ التَّرَاخِي بين الطواف والسعي بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ ، أَنَّ التَّرَاخِيَ بَيْنَهُمَا يَجُوزُ ، فَإِنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِهِ بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَجْزَأَ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُكْنٌ ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا تَجِبُ كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ التَّرَاخِيَ الْبَعِيدَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ ، وَأَنَّ فِعْلَ السَّعْيِ عَلَى الْفَوْرِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ ، وَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَهُمَا لَمْ يُجْزِهِ: لِأَنَّ السَّعْيَ لَمَّا افْتَقَرَ إِلَى تَقَدُّمِ الطَّوَافِ عَلَيْهِ ؛ لِيَمْتَازَ عَمَّا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، افْتَقَرَ إِلَى فِعْلِهِ عَلَى الْفَوْرِ ؛ لِيَقَعَ بِهِ الِامْتِيَازُ