بَابُ التَّفْوِيضِ ، مِنَ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَاقِ ، وَمِنَ النِّكَاحِ الْقَدِيمِ ، وَمِنَ الْإِمْلَاءِ عَلَى مَسَائِلِ مَالِكٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"التَّفْوِيضُ الَّذِي مَنْ تَزَوَّجَ بِهِ عُرِفَ أَنَّهُ تَفْوِيضٌ ، أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الثَّيِّبَ الْمَالِكَةَ لِأَمْرِهَا بِرِضَاهَا ، وَيَقُولَ لَهَا: أَتَزَوَّجُكِ بِغَيْرِ مَهْرٍ: فَالنِّكَاحُ فِي هَذَا ثَابِتٌ". [ الْقَوْلُ فِي حَدِّ التَّفْوِيضِ فِي النِّكَاحِ ] قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا التَّفْوِيضُ فِي اللُّغَةِ: فَهُوَ التَّسْلِيمُ ، يُقَالُ: فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَى فُلَانٍ ، أَيْ سَلَّمْتُ أَمْرِي إِلَيْهِ ، وَوَكَلْتُهُ إِلَى تَدْبِيرِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ أَيْ أَسْتَسْلِمُ إِلَيْهِ . وَقَالَ الشَّاعِرُ: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا أَيْ: لَا يَصْلُحُونَ إِذَا كَانَ أَمْرُهُمْ مُفَوَّضًا ، لَا مُدَبِّرَ لَهُمْ . وَالتَّفْوِيضُ فِي النِّكَاحِ: أَنْ تُنْكِحَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ . فَمَنْ مَنَعَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، قَالَ: امْرَأَةٌ مُفَوَّضَةٌ ، بِفَتْحِ الْوَاوِ . وَمَنْ أَجَازَهُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ قَالَ: مُفَوِّضَةٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ .
[ الْقَوْلُ فِي أَقْسَامِ التَّفْوِيضِ ] وَالتَّفْوِيضُ ضَرْبَانِ في النكاح: أَحَدُهُمَا: تَفْوِيضُ الْبُضْعِ . وَالثَّانِي: تَفْوِيضُ الْمَهْرِ . [ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ] فَأَمَّا تَفْوِيضُ الْبُضْعِ: فَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الثَّيِّبَ مِنْ وَلِيِّهَا بِإِذْنِهَا ، وَرِضَاهَا ، عَلَى أَلَّا مَهْرَ لَهَا معنى تفويض البضع ، فَهَذَا نِكَاحُ التَّفْوِيضِ ؛ لِأَنَّهَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ ، وَهُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، لِمَا دَلَّلَنَا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ ،