فهرس الكتاب

الصفحة 8133 من 8432

الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ ، فَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا بِهَا نَفَذَ عِتْقُهُ فِي مِلْكِهِ ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ: يَسْرِي عِتْقُهُ مَعَ إِعْسَارِهِ كَمَا يَسْرِي مَعَ يَسَارِهِ ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ يُؤْخَذُ بِهَا إِذَا أَيْسَرَ كَمَا يَسْرِي الطَّلَاقُ فِي الزَّوْجَةِ إِذَا طَلَّقَ بَعْضَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَجْتَمِعَ طَلَاقٌ وَإِبَاحَةٌ ، كَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَ حُرِّيَّةٌ وَرِقٌّ . وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَقَدْ عَتَقَ فَأَعْتَقَ". وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ رَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِيكِ ، بِأَلَّا يَخْتَلِفَ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ فِي عَبْدِهِ الْمُشْتَرَكِ ، وَأَنْ يَصِيرَ الْعَبْدُ كَامِلَ التَّصَرُّفِ ، وَسِرَايَةُ الْعِتْقِ مَعَ إِعْسَارِ الْمُعْتِقِ أَعْظَمُ ضَرَرًا عَلَى الشَّرِيكِ مِنِ اسْتِبْقَاءِ رِقِّهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُرْفَعَ أَقَلُّ الضَّرَرَيْنِ بِأَعْظَمِهِمَا ، وَوَجَبَ أَنْ يُرْفَعَ أَعْظَمُهُمَا بِأَقَلِّهِمَا . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْصُلَ فِي الزَّوْجَةِ شِرْكٌ بَيْنَ زَوْجَيْنِ ، وَجَازَ أَنْ يَقَعَ فِي الرِّقِّ شِرْكٌ بَيْنَ مَالِكَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَبَعَّضَ الطَّلَاقُ وَجَازَ أَنْ يَتَبَعَّضَ الرِّقُّ . وَالثَّانِي: أَنَّ طَلَاقَ بَعْضِ الزَّوْجَةِ يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِبَاقِيهَا ، وَعِتْقَ بَعْضِ الْعَبْدِ لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِخْدَامِ بَاقِيهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ بَاقِيَةٌ عَلَى رِقِّهَا بِإِعْسَارِ الْمُعْتِقِ ، فَقَالَ الْمُعْتِقُ: أَنَا أَسْتَدِينُ وَأَقْتَرِضُ قِيمَةَ حِصَّةِ الشَّرِيكِ إِنْ حَدَثَ لَهُ يَسَارٌ بَعْدَ الْعِتْقِ ، كَانَ الشَّرِيكُ أَمْلَكَ بِحِصَّتِهِ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِإِجَابَتِهِ .

فَصْلٌ إِذَا تَبَعَّضَتْ فِي الْعَبْدِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ بِإِعْسَارِ مُعْتِقِهِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ"يَخْدِمُ سَيِّدَهُ يَوْمًا وَيَتْرُكُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا فَمَا اكْتَسَبَ فِيهِ فَهُوَ لَهُ فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُهَايَأَةِ"

فَصْلٌ: فَإِذَا تَبَعَّضَتْ فِي الْعَبْدِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ بِإِعْسَارِ مُعْتِقِهِ حكمه فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ:"يَخْدِمُ سَيِّدَهُ يَوْمًا وَيَتْرُكُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا فَمَا اكْتَسَبَ فِيهِ فَهُوَ لَهُ"، فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُهَايَأَةِ . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُهَايَأَةَ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ ، فَلَمَّا أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ أُجْرِيَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ لِبَعْضِهِ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فِيهَا مُهَايَأَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ مَعَ الشَّرِيكِ الْبَاقِي لِنُقْصَانِ تَصَرُّفِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى الْمُهَايَأَةِ الْمُتَقَدِّمَةَ ، وَيَجُوزَ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا مَعَ الشَّرِيكِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْحُرِّيَّةِ كَامِلٌ فِي حَقِّهِ مِنَ الْكَسْبِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ مَأْلُوفٌ بِصِنَاعَةٍ مَعْرُوفَةٍ يَتَمَاثَلُ فِيهَا كَسْبُ أَيَّامِهِ كُلِّهَا جَازَ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا مَعَ الشَّرِيكِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ مَأْلُوفٌ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا مَعَهُ وَإِنْ جَازَ ذَلِكَ لِلشَّرِيكَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَعْدِلَانِ عِنْدَ عَدَمِ الْكَسْبِ إِلَى الِاسْتِخْدَامِ ، وَلَيْسَ الْعَبْدُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ كَسْبِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت