فهرس الكتاب

الصفحة 6777 من 8432

الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ دَمِهِ ، وَإِقْرَارِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى كُفْرِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ مَا وَجَبَ مِنْهَا بِمَوْتِهِ كَالْأُجُورِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اعْتِبَارِهِمْ بِالْحُدُودِ ، فَهُوَ أَنَّ الْحَدَّ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَدَنِ ، فَسَقَطَ بِالْمَوْتِ كَالْقِصَاصِ ، وَالْجِزْيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَالِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَالدِّيَةِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِخُرُوجِهِ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، فَهُوَ أَنَّهَا تُؤْخَذُ عَلَى مَا مَضَى فِي حَيَاتِهِ ، وَقَدْ كَانَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ . فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ، كَانَتْ كَالدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ تُقَدَّمُ عَلَى الْوَصَايَا ، وَالْوَرَثَةِ ، وَيُسَاهِمُ فِيهَا الْغُرَمَاءُ بِالْحِصَصِ ، وَيَكُونُ مَا عَجَزَ الْمَالُ عَنْهَا دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ ، وَثَابِتًا عَلَى الْمَيِّتِ . وَهَكَذَا لَوْ زَمِنَ أَوْ عَمِيَ أَوْ جُنَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ، وَأَسْقَطَهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْهُ ، وَدَلِيلُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ .

أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ لَمْ تَسْقُطْ بِإِسْلَامِهِ

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَإِنْ أَسْلَمَ وَقَدْ مَضَى بَعْضُ السَّنَةِ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ حكم الجزية في هذه الحالة لَمْ تَسْقُطْ بِإِسْلَامِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَسْقُطُ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [ التَّوْبَةِ: 29 ] . وَالْمُسْلِمُ لَا صَغَارَ عَلَيْهِ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ، [ الْأَنْفَالِ: 38 ] . وَقَدِ انْتَهَى بِالْإِسْلَامِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا سَلَفَ مِنَ الْجِزْيَةِ . وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ . وَبِمَا رَوَى مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: لَا جِزْيَةَ عَلَى مُسْلِمٍ ، وَهَذَا نَصٌّ . وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْكُفْرِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِالْإِسْلَامِ كَالْقِتَالِ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْهُ صَغَارًا وَذِلَّةً ، وَالْمُسْلِمُ لَا صَغَارَ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ سُقُوطُهَا عَنْهُ . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الزَّعِيمُ غَارِمٌ وَقَدْ ضَمِنَهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ غُرْمُهَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت