يَصِرِ الْمَوْلَى كُفُؤًا لِلْحُرَّةِ الْأَصْلِ ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَوْلَى لِعَرَبِيٍّ وَالْآخَرُ مَوْلَى لِنَبَطِيٍّ ، فَإِنْ قِيلَ مَوْلَى الْقَبِيلَةِ كُفْءٌ لَهَا فِي النِّكَاحِ لَمْ يَكُنْ مَوْلَى النَّبَطِيِّ كُفُؤًا لِمَوْلَى الْعَرَبِيِّ ، وَإِنْ قِيلَ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لَهَا كَانَ مَوْلَى النَّبَطِيِّ كُفُؤًا لِمَوْلَى الْعَرَبِيِّ .
فَصْلٌ: [ الشَّرْطُ الرَّابِعُ وَهُوَ الْكَسْبُ ] فَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ - وَهُوَ الْكَسْبُ الكفاءة في النكاح -: فَإِنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ بِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [ النَّحْلِ: 71 ] . فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي قَدْرِ الرِّزْقِ فَبَعْضُهُمْ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ ، وَبَعْضُهُمْ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي أَسْبَابِ الرِّزْقِ فَبَعْضُهُمْ يَصِلُ إِلَيْهِ لِعِزٍّ وَدَعَةٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَصِلُ إِلَيْهِ بَذْلٌ وَمَشَقَّةٌ ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [ طَهَ: 124 ] ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ الرِّزْقُ الضَّيِّقُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْكَسْبُ الْحَرَامُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْفَاقُ مَنْ لَا يُوقِنُ بِالْخَلَفِ ، وَالْمَكَاسِبُ تَكُونُ فِي الْعُرْفِ الْمَأْلُوفِ مِنْ أَرْبَعِ جِهَاتٍ: بِالزِّرَاعَاتِ وَالتِّجَارَاتِ ، وَالصِّنَاعَاتِ ، وَالْحِمَايَاتِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا رُتَبٌ مُتَفَاضِلَةٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى غَيْرِهِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ ، وَإِنَّ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ التِّجَارَاتِ ، وَفِي بَعْضِهَا الزِّرَاعَاتِ أَفْضَلُ ، وَفِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ حُمَاةُ الْأَجْنَادِ أَفْضَلُ ، وَفِي بَعْضِهَا أَقَلُّ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُفَضَّلَ بَعْضُهَا فِي عُمُومِ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهَا الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ ، وَالْأَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْجُمْلَةِ مَا انْحَفَظَتْ بِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ، أَنْ لَا تَكُونَ مُتَرَذَّلَ الصِّنَاعَةِ كَالْحَائِكِ ، وَلَا مُسْتَخْبَثَ الْكَسْبِ كَالْحَجَّامِ ، وَلَا سَاقِطَ الْمُرُوءَةِ كَالْحَمَّالِ ، وَلَا مُبْتَذَلًا كَالْأَجِيرِ ، فَمَنِ انْحَفَظَتْ عَلَيْهِ فِي مَكَاسِبِهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ لَمْ يُكَافِئْهُ فِي النِّكَاحِ مَنْ أَخَلَّ بِهَا مِنْ حَجَّامٍ وَكَنَّاسٍ قَيِّمٍ وَحَائِكٍ ، فَالْعُرْفُ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ هُوَ الْمُحَكَّمُ .
الشَّرْطُ الْخَامِسُ الْمَالُ
فَصْلٌ: [ الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْمَالُ ] وَأَمَّا الشَّرْطُ الْخَامِسُ: وَهُوَ الْمَالُ الكفاءة في النكاح: فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا . وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَحْسَابَ أَهْلِ الدُّنْيَا هَذَا الْمَالُ . وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [ الْعَادِيَّاتِ: 8 ] . يَعْنِي