فهرس الكتاب

الصفحة 6302 من 8432

فَصْلٌ: وَلَوْ غَصَبَ رَجُلٌ مَالًا أَوْ سَرَقَهُ وَأَحْرَزَهُ فِي حِرْزٍ لِنَفْسِهِ ، فَسُرِقَ مِنْهُ ، فَفِي قَطْعِ سَارِقِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ بَعْدَ قَطْعِ السَّارِقِ الْأَوَّلِ: لِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مِنْ حِرْزٍ مِثْلَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْطَعُ: لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ حِرْزِ مُسْتَحِقٍّ ، فَصَارَ كَغَيْرِ الْمُحْرَزِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْطَعُ إِنْ سَرَقَ مِنَ الْغَاصِبِ ، وَلَا يُقْطَعُ إِنْ سَرَقَ مِنَ السَّارِقِ ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ عِنْدَنَا ، وَيَكُونُ الْخَصْمُ فِي قَطْعِ هَذَا السَّارِقِ هُوَ الْمَالِكُ دُونَ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ ، هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا ، وَعِنْدِي أَنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكِ وَالْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ خَصْمٌ فِيهِ: أَمَّا الْمَالِكُ فَلِأَجْلِ مِلْكِهِ ، وَأَمَّا الْغَصْبُ وَالسَّارِقُ فَلِأَجْلِ ضَمَانِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْخَصْمُ فِي السَّرِقَةِ الْمَالِكُ ، وَفِي الْغَصْبِ الْغَاصِبُ ، وَلَيْسَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَجْهٌ إِلَّا عَلَى أَصْلِهِ: أَنَّ السَّارِقَ لَا يُغَرَّمُ السَّرِقَةَ إِذَا قُطِعَ . وَهُوَ بِنَاءُ خِلَافٍ عَلَى خِلَافٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَافِعِيُّ:"وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ آبِقًا وَغَيْرَ آبِقٍ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ آبِقٍ ، فَقَطْعُهُ إِذَا سَرَقَ وَاجِبٌ . فَأَمَّا إِذَا كَانَ آبِقًا فَسَرَقَ فِي إِبَاقِهِ ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ قَطْعِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: يُقْطَعُ ، سَوَاءٌ طُولِبَ فِي إِبَاقِهِ أَوْ بَعْدَ مَقْدِمِهِ وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ: لَا يُقْطَعُ ، سَوَاءٌ طُولِبَ فِي إِبَاقِهِ أَوْ بَعْدَ مَقْدِمِهِ: لِأَنَّهُ فِي الْإِبَاقِ مُضْطَرٌّ ، وَلَا قَطْعَ عَلَى مُضْطَرٍّ . وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: يُقْطَعُ إِنْ طُولِبَ بَعْدَ مَقْدِمِهِ ، وَلَا يُقْطَعُ إِنْ طُولِبَ فِي إِبَاقِهِ: لِأَنَّ قَطْعَهُ قَضَاءً عَلَى سَيِّدِهِ ، وَهُوَ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِهِ فِي الْحَالَيْنِ: عُمُومُ الْآيَةِ ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ . وَرَوَى نَافِعٌ أَنَّ عَبْدًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ ، فَبُعِثَ بِهِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ لِيَقْطَعَهُ . فَقَالَ سَعِيدٌ: كَيْفَ أَقْطَعُ آبِقًا ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فِي أَيِّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْتَ هَذَا . وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ . وَلِأَنَّهُ حَدٌّ يُقَامُ عَلَى غَيْرِ الْآبِقِ فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ عَلَى الْآبِقِ كَحَدِّ الزِّنَا ، وِلْأَنَّ الْإِبَاقَ مَعْصِيَةٌ إِنْ لَمْ يَزِدْهُ تَغْلِيظًا لَمْ يَتَغَلَّظْ عَنْهُ حَدًّا ، فَأَمَّا الِاضْطِرَارُ فَلَوْ كَانَ عِلَّةً لِفَرْقٍ بَيْنَ الْمُضْطَرِّ وَغَيْرِهِ ، وَلِفَرْقٍ بَيْنَ مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ وَلَا تَدْعُو . أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ قَضَاءً عَلَى السَّيِّدِ . فَلَيْسَ صَحِيحًا: لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ لَزِمَ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ .

فَصْلٌ حُكْمُ السَّرِقَةِ فِي الْمَجَاعَةِ وَالْقحْطِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت