الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَتِهِمَا فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيُّ الْعِيدَيْنِ أَوْكَدُ فِي التَّكْبِيرِ ، فَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَيْلَةُ النَّحْرِ أَوْكَدُ ، لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَيْهَا ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَيْلَةُ الْفِطْرِ أَوْكَدُ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [ الْبَقَرَةِ: ] .
فَصْلٌ: فَأَمَّا هَذَا التَّكْبِيرُ ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا فِي الْأُمِّ: إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ إِلَى انْصِرَافِ الْإِمَامِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِلَى أَنْ يَفْتَتِحَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُخَرِّجُ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ ؛ لِأَنَّهُ زَمَانُ التَّأَهُّبِ لِلصَّلَاةِ . وَالثَّانِي: إِلَى إِحْرَامِ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَحْرُمُ قَبْلَ إِحْرَامِهِ ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِالتَّكْبِيرِ أَوْلَى . وَالثَّالِثُ: إِلَى انْصِرَافِ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعِيدِ يَنْقَضِي بِفَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ بِاخْتِلَافِ أَقَاوِيلَ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ مَا لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِالصَّلَاةِ ، فَتَارَةً عَبَّرَ عَنْهُ بِالْإِحْرَامِ ، وَتَارَةً عَبَّرَ عَنْهُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ يُوجِبُ الْإِحْرَامَ وَتَارَةً عَبَّرَ عَنْهُ بِانْصِرَافِ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ انْصِرَافَهُ يَتَعَقَّبُ الْإِحْرَامَ .
فَصْلٌ: التَّكْبِيرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ . فَالْمُقَيَّدُ: مَا انْتُظِرَ بِهِ أَدْبَارُ الصَّلَوَاتِ . وَالْمُطْلَقُ: مَا لَمْ يُنْتَظَرْ بِهِ حَالٌ دُونَ حَالٍ ، فَالتَّكْبِيرُ الْمُقَيَّدُ بِالصَّلَوَاتِ النوع الثاني من أنواع التكبير مَسْنُونٌ فِي عِيدِ الْأَضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ، وَتَكْبِيرُ لَيْلَةِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ ، فَيُكَبِّرُ فِي الْأَحْوَالِ قَائِمًا وَقَاعِدًا أَوْ مَاشِيًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَكْبِيرَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالزَّمَانِ ، فَلَمْ يُخْتَصَّ بِهِ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ ، وَتَكْبِيرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَوَاتِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لِغَيْرِهَا ، فَإِنْ كَبَّرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَكْبِيرًا مُطْلَقًا جَازَ ، وَإِنْ كَبَّرَ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ تَكْبِيرًا مُقَيَّدًا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُضِيًّا لِلسُّنَّةِ قِيَاسًا عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مُمْتَثِلًا لِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ سُنَّةِ التَّكْبِيرِ .
الْقَوْلُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ
فَصْلٌ: الْقَوْلُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ في العيدين . وَيُخْتَارُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا يَرْفَعُ الْحَاجُّ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَيُخْتَارُ لَهُ الْإِكْثَارُ مِنَ الْقُرَبِ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِمَّا مُسْنَدًا أَوْ مَوْقُوفًا ، أَنَّهُ قَالَ: