فهرس الكتاب

الصفحة 1656 من 8432

جَمِيعَهُ ، فَجَعَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَكْلَ وَالْإِطْعَامَ مُبَاحَيْنِ ، وَجَعَلَ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ الْأَكْلَ وَالْإِطْعَامَ وَاجِبَيْنِ . وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مُصِيبٍ ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْأَكْلَ مُبَاحٌ وَالْإِطْعَامَ وَاجِبٌ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْهَدْيِ أَنَّهُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى: وَلِذَلِكَ سُمِّيَ قُرَابًا ، وَالْقُرْبَةُ فِي إِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ لَا فِي أَكْلِهِ ، وَلَمَّا قَالَ تَعَالَى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا [ الْحَجِّ: ] ، كَانَ الْأَمْرُ بِالْأَكْلِ مُبَاحًا: لِأَنَّهُ بَعْدَ حَظْرٍ ، وَكَانَ الْأَمْرُ بِالْإِطْعَامِ وَاجِبًا: لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْهَدْيِ .

فَصْلٌ قَدْرِ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَفِي قَدْرِ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ من الهدي قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ: يَأْكُلُ ، وَيَدَّخِرُ الثُّلُثَ ، وَيُهْدِي الثُّلُثَ ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَأْكُلَ النِّصْفَ ، وَيَتَصَدَّقَ بِالنِّصْفِ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [ الْحَجِّ: ] فَكَانَ ظَاهِرُهُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ . فَأَمَّا الْجَائِزُ مِنْ ذَلِكَ فَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَكْلِ وَالصَّدَقَةِ ، فَإِنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِهَا إِلَّا رِطْلًا أَكَلَهُ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ أَكَلَ جَمِيعَهَا إِلَّا رِطْلًا تَصَدَّقَ بِهِ أَجْزَأَهُ ، فَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِهَا ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا أَجْزَأَهُ: لِأَنَّ الْأَكْلَ مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَلَوْ أَكَلَ جَمِيعَهَا وَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يُجْزِئْهُ وَكَانَ ضَامِنًا ، وَفِي قَدْرِهَا يَضْمَنُهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَضْمَنُ مِنْهَا قَدْرَ الْجَائِزِ ، وَهُوَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ: لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ قَبْلَ التَّفْوِيتِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إِلَّا ضَمَانُ ذَلِكَ الْقَدْرِ بَعْدَ التَّفْوِيتِ . وَالْوَجْهُ الثانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ مِنْهَا قَدْرَ الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ النِّصْفُ ، أَوِ الثُّلُثُ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ ؛ لِتَقْدِيرِهِ نَصًّا بِالسُّنَّةِ وَاسْتِوَاءِ حُكْمِهَا فِي ظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى الرَّجُلُ نَحْرَ هَدْيِهِ بِنَفْسِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاقَ فِي حَجِّهِ مِائَةَ بَدَنَةٍ ، فَكَانَ سُهَيْلُ بْنُ عُمَرَ يُقَدِّمُ الْبُدْنَ بَيْنَ يَدِهِ حَتَّى نَحَرَ مِنْهَ بِيَدِهِ سِتَّةً وَسِتِّينَ بَدَنَةً ، وَأَمَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَنَحَرَ الْبَاقِيَ ، فَإِنْ ضَعُفَ الْمُهْدِي عَنْ نَحْرِ هَدْيِهِ بِنَفْسِهِ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ: لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنَابَ عَلِيًّا فِي نَحْرِ مَا بَقِيَ ، وَيَحْضُرُ نَحْرَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبَعْضِ نِسَائِهِ: احْضُرِي نَسِيكَتَكِ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأُحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ كَبِدِ هَدْيِهِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الطَّوَافِ وَالْإِفَاضَةِ: لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عَلِيًّا بِذَلِكَ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَقَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ فَقَطْ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت