تَعْتَدَّ مَعَهُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا حَاجِزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا ذُو مَحْرَمٍ جَازَ أَنْ تَعْتَدَّ فِيهَا إِذَا سَتَرَتْ عَنْهُ نَفْسَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ لَمْ يَجُزْ كَالدَّارِ الصَّغِيرَةِ وَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَصْعَدَ إِلَى الْأَرْضِ ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الصُّعُودِ فَهِيَ حَالُ ضَرُورَةٍ فَتَعْتَدَّ فِيهَا .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ فِي الْمَسْكَنِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَعْتَدَّ فِيهِ فَأَرَادَتِ الْخُرُوجَ مِنْهُ خروج المعتدة من المسكن فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: خُرُوجُ نُقْلَةٍ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ يُخَافُ بِهَا عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ فَيَجُوزُ مَعَهَا الِانْتِقَالُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إِلَيْهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لِحَاجَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِ بَعْدَ قَضَائِهَا فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَوْ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ . فَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ جَازَ أَنْ يُخْرَجَ بِهَا فِي حَوَائِجِهَا وَتَعُودَ لَيْلًا إِلَى مَسْكَنِهَا وَرَوَى مُجَاهِدٌ ، قَالَ: اسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَاءَ نِسَاؤُهُمْ ، وَكُنَّ مُتَجَاوِرَاتٍ فِي دَارٍ فَجِئْنَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَوْحِشُ اللَّيْلَ فَنَبِيتُ عِنْدَ إِحْدَانَا ، فَإِذَا أَصْبَحْنَا تَبَدَّدْنَا إِلَى بُيُوتِنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَّ مَا بَدَا لَكُنَّ ، فَإِذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ فَلْتَأْتِ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إِلَى بَيْتِهَا وَإِنَّمَا لَمْ يُفْسِحْ لَهُنَّ فِي مُفَارَقَةِ مَنَازِلِهِنَّ لَيْلًا وَفَسَحَ لَهُنَّ فِي مُفَارَقَتِهَا نَهَارًا ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ زَمَانُ الْخَلَوَاتِ وَالِاسْتِخْفَاءِ بِالْفَوَاحِشِ فَمَنَعَهُنَّ تَحْصِينًا لَهُنَّ وَحِفْظًا لِمِيَاهِ أَزْوَاجِهِنَّ فِي زَمَانِ الْحَذَرِ مِنَ اللَّيْلِ ، وَرَخَّصَ لَهُنَّ فِي زَمَانِ الْأَمْنِ مِنَ النَّهَارِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ بَاتٍّ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهَا لَيْلًا لِمَا ذَكَرْنَا ، وَفِي جَوَازِ خُرُوجِهَا نَهَارًا لِلْحَاجَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَخْرُجَ نَهَارًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [ الطَّلَاقِ: ] . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ مَالِكٍ: يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ نَهَارًا ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَحَبَّ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: لِمَا رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: طُلِّقَتْ خَالَتِي ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا فَزَجَرَهَا رَجُلٌ عَنِ الْخُرُوجِ ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ: بَلَى فَجُذِّيَ نَخْلَكِ فَلَعَلَّكِ أَنْ تَتَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا مَعْرُوفًا ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: نَخْلُ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْجُدَادُ يَكُونُ نَهَارًا فَأَذِنَ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .