فهرس الكتاب

الصفحة 2189 من 8432

السَّمْرَاءِ ، فَصَارَ فِيهَا كَالْبَصِيرِ وَكَالْأَعْمَى الَّذِي كَانَ بَصِيرًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَصِيرَ لَوْ وُصِفَ لَهُ مَتَاعٌ لَمْ يَرَهُ ، وَلَا عَرَفَهُ فِي بَلَدٍ تَبْعُدُ عَنْهُ ، جَازَ أَنْ يُسَلَمَ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الصِّفَاتِ الَّتِي اشْتَمَلَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إِذَا عَلِمَ تَفَاصِيلَهَا بِاخْتِلَافِهَا ، فَكَذَلِكَ سَلَمُ الْأَعْمَى . فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ يَصِحُّ مِنْهُ فَقَبَضَهُ عِنْدَ حُلُولِهِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْقَبْضَ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِيفَاءِ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْعَقْدِ ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالنَّظَرِ ، فَجَرَى مَجْرَى عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى عَيْنٍ لَا تَصِحُّ مِنَ الْأَعْمَى حَتَّى يُوَكِّلَ فِيهِ بَصِيرًا يَعْقِدُ عَنْهُ أَوَّلَهُ . كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنَ الْأَعْمَى قَبْضُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ وَلَا إِقْبَاضُهُ حَتَّى يُوكِّلَ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ إِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا أَوْ يَقْبِضُ عَنْهُ إِنْ كَانَ بَائِعًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَالْمَضَامِينُ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ ، وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي بُطُونِ الِإِنَاثِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ . رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ معناهما . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَضَامِينَ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ ، وَالْمَلَاقِيحِ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ ، وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ . وَالثَّانِي: مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَأَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ لِصِحَّةِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَ الشَّاعِرِ: إِنَّ الْمَضَامِينَ الَّتِي فِي الصُلْبِ مَاءُ الْفُحُولِ فِي الظُهُورِ الْحُدْبِ لَيْسَ بِمُغْنٍ عَنْكَ جُهْدُ الْكَرْبِ وَأَنْشَدَ أَيْضًا: مَنَّيْتَنِي مَلَاقِحًا فِي الْأَبْطُنِ تُنْتَجُ مَا يَلْقَحُ بَعْدَ أَزْمُنِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا . فَبَيْعُ الْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ حكمه بَاطِلٌ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ . وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الْمَجْرِ معناه وحكمه وَهُوَ الْحَمْلُ ، وَلِنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَفِيهِ غَرَرٌ ، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْبِيَاعَاتُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا غَرَرًا دَخَلَتْ فِي نَهْيِهِ عَنِ بَيْعِ الْغَرَرِ ، فَهَلَّا اكْتَفَى بِذَلِكَ النَّهْيِ عَنْ تَخْصِيصِ هَذِهِ بِالنَّهْيِ ؟ قُلْنَا: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا ، وَلِأَنَّ هَذِهِ بِيَاعَاتٌ قَدْ كَانَتْ مَأْلُوفَةً لَهُمْ فَخَصَّهَا بِالنَّهْيِ ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي جُمْلَةِ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ: لِأَنْ لَا يَجْعَلُوا الْعَادَةَ الْمَأْلُوفَةَ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْبُيُوعِ مُخَصَّصَةً لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، فَكَانَ تَخْصِيصُهَا بِالنَّهْيِ أَوْكَدَ .

بَابُ الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الْمَجْهُولِ وَبَيْعِ النجَشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت