فهرس الكتاب

الصفحة 6202 من 8432

بِالشَّهَادَةِ وَلَمْ يَسْقُطْ بِالرُّجُوعِ: لِأَنَّ وُجُوبَهُ مَا سَبَقَهَا فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا تُعْقِبُهُ ، وَعَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا لَا يُسْقِطُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَذَّبَ الشُّهُودَ حُدَّ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَإِنْ صَدَّقَهُمْ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ ، فَلَمْ يُحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَا بِإِقْرَارِهِ ، قَالَ: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُقِرٍّ فَسَقَطَتْ ، وَالْإِقْرَارُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ حَتَّى يَتَكَرَّرَ أَرْبَعًا . وَهَذَا مِمَّا يَدْفَعُهُ الْمَعْقُولُ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى مُنْكَرٍ وَيَسْقُطَ عَنْ مُقِرٍّ ، وَإِنْ بَنَاهُ عَلَى أَصْلٍ ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ أَصْلِهِ . وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةُ: فَالْقِصَاصُ ، وَحَدُّ الْقَذْفِ ، فَإِذَا وَجَبَ بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَسْقُطْ بِالرُّجُوعِ - لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ بَيْنَهُمَا - إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ فَيَسْقُطَ بِالتَّصْدِيقِ ، دُونَ الرُّجُوعِ . وَأَمَّا الْحُقُوقُ الْمُشْتَرَكَةُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ: فَهِيَ السَّرِقَةُ ، يَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الْمَحْضَةِ ، وَغُرْمُ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ . فَإِذَا أَوْجَبَ بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَسْقُطِ الْغُرْمُ بِالرُّجُوعِ: لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ . وَفِي سُقُوطِ الْقَطْعِ بِالرُّجُوعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ: لِاخْتِصَاصِهِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى . وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ: لِاقْتِرَانِهِ بِمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الرُّجُوعُ .

فَصْلٌ الْأَلْفَاظُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي رُجُوعِ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا

فَصْلٌ: [ /1 L10329 الْأَلْفَاظُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي رُجُوعِ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا /1 ] فَأَمَّا مَا يَكُونُ بِهِ رَاجِعًا فِي إِقْرَارِهِ فَهُوَ الْقَوْلُ ، وَذَلِكَ بِإِحْدَى ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ: إِمَّا أَنْ يَقُولَ: كَذَبْتُ فِي إِقْرَارِي . أَوْ يَقُولُ: لَمْ أَزْنِ . أَوْ يَقُولُ: قَدْ رَجَعْتُ عَنْ إِقْرَارِي . فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ يَكُونُ رُجُوعًا صَرِيحًا ، فَإِنْ قَالَ: لَا تَحُدُّونِي . لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا صَرِيحًا: لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعَفْوَ أَوِ الْإِنْظَارَ ، وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَا الْإِنْظَارُ لَهُ ، إِلَّا لِعُذْرٍ يُنْظَرُ لِأَجَلِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ جِنَّةٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ ، فَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْكَفِّ عَنْهُ ، فَإِذَا بَيَّنَ عَنْ مُرَادِهِ عُمِلَ عَلَيْهِ وَحُكِمَ بِمُوجِبِهِ . وَلَوْ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيَّ . كَانَ أَقْرَبَ إِلَى صَرِيحِ الرُّجُوعِ مَعَ احْتِمَالٍ فِيهِ ، فَيُسْأَلُ عَنْهُ . فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالرُّجُوعِ وَلَكِنَّ هَرَبَ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَقُومُ هَرَبُهُ مَقَامَ رُجُوعِهِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَقُومُ مَقَامَهُ وَيَكُونُ رُجُوعًا: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَاعِزٍ حِينَ هَرَبَ مِنَ الْأَحْجَارِ:"هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ، لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت