بَابُ الْخِلَافِ فِي إِمْسَاكِ الْأَوَاخِرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَاحْتَجَجْتُ عَلَى مَنْ يُبْطِلُ الْأَوَاخِرَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ الدَّيْلَمِيِّ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ: اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ وَفَارِقِ الْأُخْرَى وَبِمَا قَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَتَخْيِيرِهِ غَيْلَانَ ، فَلَوْ كَانَ الْأَوَاخِرُ حَرَامًا مَا خَيَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقُلْتُ لَهُ: أَحْسَنُ حَالَةٍ أَنْ يَعْقِدُوهُ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ ، قُلْتُ: وَيُرْوَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْكِحُونَ فِي الْعِدَّةِ وَبِغَيْرِ شُهُودٍ ، قَالَ: أَجَلْ ، قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ فِي الْإِسْلَامِ ، قَالَ: أَجَلْ ، قُلْتُ: فَلَمَّا لَمْ يَسْأَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَقْدِ ، كَانَ عَفْوًا لِفَوْتِهِ ، كَمَا حَكَمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَفْوِ الرِّبَا إِذَا فَاتَ بِقَبْضِهِ وَرَدِّ مَا بَقِيَ: لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَدْرَكَهُ ، كَمَا رَدَّ مَا جَاوَزَ أَرْبَعًا: لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَدْرَكَهُنَّ مَعَهُ ، وَالْعُقُدُ كُلُّهَا لَوِ ابْتَدَأَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَاسِدَةً ، فَكَيْفَ نَظَرْتَ إِلَى فَسَادِهَا مَرَّةً وَلَمْ تَنْظُرْ أُخْرَى ، فَرَجَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِمْ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا احْتَجَّ بِأَحْسَنَ مِمَّا احْتَجَجْتَ بِهِ ، وَلَقَدْ خَالَفْتُ أَصْحَابِي فِيهِ مُنْذُ زَمَانٍ ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِيَاسُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: قَدْ مَضَى ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْمُشْرِكَ إِذَا أَسْلَمَ مَعَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِمْسَاكِ الْأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ ، بِخِلَافِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ إِمْسَاكِ الْأَوَائِلِ دُونَ الْأَوَاخِرِ: احْتِجَاجًا بِمَا مَضَى ، فَحَكَى الشَّافِعِيُّ مُنَاظَرَتَهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَلَى ذَلِكَ ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِ صَاحِبَيْهِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ، وَاحْتِجَاجُهُ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعَادَتِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .