فَأَمَّا مَا اسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْ قَدِيمِ الْيَدِ ، وَقَدِيمِ الْمِلْكِ ، فَهُمَا سَوَاءٌ لَا يُحْكَمُ فِيهِمَا بِاسْتِدَامَةِ الْيَدِ ، وَلَا بِاسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهَا بِالْأَمْسِ ، وَإِلَى وَقْتِهِ ، لِأَنَّ النِّزَاعَ فِي مِلْكِهَا ، فَالْوَقْتُ دُونَ مَا تَقَدَّمَ ، فَصَارَتِ الشَّهَادَةُ بِالْمُتَقَدِّمِ مِنْ غَيْرِ التَّنَازُعِ ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِهَا ، لِأَنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ مَا يَزُولُ عَنْهُ مِلْكُهُ فِي الْيَوْمِ فَإِنْ كَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يَرَى الْحُكْمَ بِهَا فِي الْيَوْمِ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ ، خُولِفَ فِيهِ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَا . فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا رَجَّحْتُمُ الْبَيِّنَةَ بِالْيَدِ ، فَهَلَّا رَجَّحْتُمْ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ ؟ قِيلَ: لِأَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَدِ لَمْ تُفِدْ زِيَادَةً عَلَى مَا أَفَادَتْهُ زِيَادَةُ الْبَيِّنَةِ ، وَالْيَدُ أَفَادَتْ مِنْ زِيَادَةِ التَّصَرُّفِ مَا لَمْ تُفِدِ الْبَيِّنَةُ ، فَلِذَلِكَ تَرَجَّحَتِ الْبَيِّنَةُ بِالْيَدِ ، وَلَمْ تَتَرَجَّحْ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ . فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إِذَا كَانَ الْمِلْكُ فِي أَيْدِيهِمَا ، وَكَانَ دَارًا ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ لَهُ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَتَكَافَأَ الْبَيِّنَتَانِ ، وَلَا تَشْهَدَ إِحْدَاهُمَا بِقَدِيمِ الْمِلْكِ ، فَقَدْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَتَهُ بِمِلْكِ جَمِيعِ الدَّارِ الَّتِي نِصْفُهَا بِيَدِهِ ، وَنِصْفُهَا بِيَدِ الْآخَرِ ، فَصَارَ لَهُ فِيمَا بِيَدِهِ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ ، وَفِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ بَيِّنَةُ خَارِجٍ ، فَتَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّ تَعَارُضَهُمَا مُوجِبٌ لِسُقُوطِهِمَا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، وَأُقِرَّتِ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا مِلْكًا بِالْيَدِ وَالتَّحَالُفِ . وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ تَعَارُضَهُمَا مُوجِبٌ لِاسْتِعْمَالِهِمَا وَقَسْمِ الْمِلْكِ بَيْنَهُمَا ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا ، وَتُجْعَلُ الدَّارُ بَيْنَهُمَا مِلْكًا بِالْبَيِّنَةِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا بِقَدِيمِ الْمِلْكَ وَتَشْهَدَ بَيِّنَةُ الْآخَرِ بِحَدِيثِ الْمِلْكِ ، فَإِنْ لَمْ تُجْعَلِ الشَّهَادَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ تَرْجِيحًا لِلْبَيِّنَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، فَالْجَوَابُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي جَعْلِ الدَّارِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، بِالْيَدِ وَالْيَمِينِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَبِالْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي ، وَإِنْ تَرَجَّحَتِ الشَّهَادَةُ بِقَدِيمِ الْمَالِكِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي خَلُصَ لِصَاحِبِهَا النِّصْفُ الَّذِي فِي يَدِهِ ، وَتَقَابَلَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ ، تَرْجِيحُ بَيِّنَةٌ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ ، وَتَرْجِيحِ بَيِّنَةِ الْآخَرِ بِالْيَدِ ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يُحْكَمُ بِهِ لِمَنْ تَرَجَّحَتْ بَيِّنَتُهُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ ، فَتَصِيرُ جَمِيعُ الدَّارِ لَهُ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ التَّرْجِيحَ بِتَقْدِيمِ الْمِلْكِ أَقْوَى مِنَ التَّرْجِيحِ بِالْيَدِ ، وَعَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ يُحْكَمُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ لِصَاحِبِ الْيَدِ ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ التَّرْجِيحَ بِالْيَدِ أَقْوَى مِنَ التَّرْجِيحِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ ، فَتَصِيرُ الدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِغَيْرِ أَيْمَانٍ قَوْلًا وَاحِدًا: لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفَيْنِ بِتَرْجِيحِ الْبَيِّنَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِسْقَاطٍ لَهُمَا وَلَا قِسْمَةٍ بِاسْتِعْمَالِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .