فهرس الكتاب

الصفحة 5545 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذا صَحِيحٌ ، لَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يُجْبِرَ الْأُمَّ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهَا . وَقَالَ مَالِكٌ: لَا جَبْرَ لَهَا إِنْ كَانَتْ شَرِيفَةً أَوْ مُوسِرَةً ، وَيَجْبُرُهَا إِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً مُعْسِرَةً . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَهُ إِجْبَارُهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) [ الْبَقَرَةِ: ] وَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَمَا وَجَبَ صَحَّ فِيهِ الْإِجْبَارُ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) [ الطَّلَاقِ: ] ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّخْيِيرِ فَسَقَطَ الْإِجْبَارُ ؛ وَلِأَنَّ إِجْبَارَهَا عَلَى رَضَاعِهِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ أَوْ لِحَقِّ نَفْسِهِ ، فَلَوْ كَانَ لِحَقِّ الْوَلَدِ لَأَجْبَرَهَا عَلَيْهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ ، وَلَوْ كَانَ لِحَقِّ نَفْسِهِ لَأَجْبَرَهَا عَلَى رَضَاعِ غَيْرِهِ وَلَكَانَ لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى خِدْمَتِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ نَفْسِهِ ، وَإِذَا بَطَلَا سَقَطَ الْوُجُوبُ وَزَالَ الْإِجْبَارُ ، وَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَخْبَارِ بِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْخَبَرِ دُونَ الْأَمْرِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا أَرَادَتِ الْأُمُّ رَضَاعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ مَنْعُهَا لِفَضْلِ حُنُوِّهَا عَلَيْهِ وَإِشْفَاقِهَا ، وَلِاسْتِمْرَائِهِ لَبَنَهَا ، وَلِإِدْرَارِهِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: لَهُ مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا لِمَا اسْتَحَقَّهُ مِنِ اتِّصَالِ الاسْتِمْتَاعِ بِهَا إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْعُرْفُ مِنْ أَوْقَاتِ النَّوْمِ وَالْأَكْلِ وَالشَّرْعِ مِنْ أَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ ، وَمَا عَدَاهَا دَيْنٌ وَحَقٌّ لَهُ وَقْتُ الرَّضَاعِ مِنْهُ ، فَكَانَ لَهُ كَفُّهَا عَنْهُ ، وَالصَّحِيحُ أَنْ يُنْظَرَ فِي سَبَبِ الْمَنْعِ ، فَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ الِاسْتِمْتَاعِ وَفِي أَوْقَاتِهِ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ الضَّرَرَ إِذَا مَنَعَ لِغَيْرِ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَلَا يَقْصِدُ إِذَا مَنَعَ لِلِاسْتِمْتَاعِ ، فَإِذَا مَكَّنَهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَسْتَحِقُّ لِأَجْلِ رَضَاعِهِ زِيَادَةً فِي نَفَقَتِهَا ، عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ زِيَادَةً فِي نَفَقَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ فِي الرَّضَاعِ إِلَى زِيَادَةِ غِدَاءٍ . وَالْوَجُهُ الثَّانِي: لَا حَقَّ لَهَا فِي الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِالْكِفَايَةِ وَإِنَّمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ ، وَكَذَلِكَ سَوَّى فِيهَا بَيْنَ الرَّغِيبَةِ وَالزَّهِيدَةِ ، وَإِنْ كَانَتِ الرَّغِيبَةُ أَكْثَرَ أَكْلً وَأَقَلَّ صَبْرًا .

الْقَوْلُ فِي إِجَارَةِ الْمَرْأَةِ لِلرَّضَاعِ

[ الْقَوْلُ فِي إِجَارَةِ الْمَرْأَةِ لِلرَّضَاعِ ] فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤْجِرَ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا لِرَضَاعِ غَيْرِ وَلَدِهَا وَلَا لِخِدْمَةِ غَيْرِ زَوْجِهَا لِاسْتِحْقَاقِ مَنَافِعِهَا فِي اسْتِمْتَاعِ الزَّوْجِ بِهَا ، فَصَارَتْ كَمَنْ أَجَرَ نَفْسَهُ شَهْرًا لِخِدْمَةِ زَيْدٍ ثُمَّ أَجَرَ نَفْسَهُ شَهْرًا لِخِدْمَةِ عَمْرٍو لَمْ يَجُزْ لِاسْتِحْقَاقِ مَنَافِعِةِ وَبِالْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَتِ التَّطَوُّعَ بِرَضَاعِ غَيْرِ وَلَدِهَا وَخِدْمَةِ غَيْرِ زَوْجِهَا لَمْ يُجَزْ ، وَلَوْ أَجَرَتْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت