وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، لِأَنَّ الْمَعْذُورَ لَيْسَ مُبَاحًا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْفِدْيَةُ ، وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ لَيْسَ مَحْظُورًا فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمِئْزَرُ إِذَا عَقَدَهُ عَلَى وَسَطِهِ حال الحج فَلَا بَأْسَ بِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا مَعْقُودًا وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَزِرَ ذَيْلَيْنِ ، ثُمَّ يَعْقِدَ الذَّيْلَيْنِ مِنْ وَرَائِهِ ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالسَّرَاوِيلِ ، فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يَعْقِدُ رِدَاءَهُ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ يَغْرِزُ طَرَفَيْ رِدَائِهِ إِنْ شَاءَ فِي إِزَارِهِ ، وَإِنْ شَاءَ فِي سَرَاوِيلِهِ ، إِذَا كَانَ الرِّدَاءُ مَنْشُورًا ، فَإِنْ خَالَفَ مَا وَصَفَ الشَّافِعِيُّ ، وَعَقَدَ رِدَاءَهُ مِنْ وَرَائِهِ افْتَدَى: لِأَنَّ الْإِزَارَ يَثْبُتُ غَيْرَ مَعْقُودٍ ، فَإِذَا عُقِدَ صَارَ كَالْقَمِيصِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ ، وَلَا وَرَسٌ ، وَلَا شَيْءٌ مِنَ الطِّيبِ المحرم". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا ، رِوَايَةُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى الْمُحْرِمَ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا فِيهِ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ"فَنَصَّ عَلَى الْوَرَسِ وَالزَّعْفَرَانِ ، وَنَبَّهَ عَلَى الْكَافُورِ وَالْمِسْكِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنَ الطِّيبِ: لِأَنَّهُ إِذَا مَنَعَ مِنْ أَدْوَنِ الطِّيبِ ، فَأَعْلَاهُ بِالْمَنْعِ أَوْلَى ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ طِيبٍ مُنِعَ مِنْهُ الْمُحْرِمُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا قَدْ صُبِغَ بِهِ أَوْ مَسَّهُ شَيْءٌ مِنَ الطِّيبِ ، كَالْوَرَسِ ، وَالزَّعْفَرَانِ ، وَالْمَاوَرْدِ وَالْغَالِيَةِ ، وَالْكَافُورِ ، وَالْمِسْكِ ، وَالْعَنْبَرِ ، وَالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ فِيهِ الْفِدْيَةَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُمْنَعِ الْمُحْرِمُ مِنْ شَمِّهِ: وَاسْتِعْمَالِهِ ، جَازَ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا قَدْ صُبِغَ بِهِ ، كَالشِّيحِ وَالْعَيْصُومِ ، وَالْأُتْرُجِّ ، وَالْعَنْبَرَانِ ، لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ذَكِيَّةَ الرِّيحِ ، فَلَيْسَتْ طِيبًا تَجِبُ بِشَمِّهَا الْفِدْيَةُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُمْنَعُ الْمُحْرِمُ مِنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمُطَيَّبِ ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِنْ لَبِسَهُ ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ غَيْرُ الطِّيبِ فِي بَلَدِهِ ، وَإِنَّمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ رَائِحَتُهُ ، فَأَشْبَهَ جُلُوسَهُ فِي الْعَطَّارِينَ ، وَدَلِيلُنَا مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُقَدَّمِ ، أَنَّهُ نَوْعٌ يُطَيَّبُ بِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَفْتَدِيَ بِهِ الْمُحْرِمُ كَاسْتِعْمَالِهِ فِي جَسَدِهِ ، وَخَالَفَ جُلُوسَهُ فِي الْعَطَّارِينَ: لِأَنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّطَّيُبِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ عَلَيْهِ حُكْمُهُ .
فَصْلٌ كَانَ الثَّوْبُ مَصْبُوغًا بِطِيبٍ قَدْ أَثَّرَ فِيهِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، وَكَانَ الثَّوْبُ مَصْبُوغًا بِطِيبٍ حكمه للحاج قَدْ أَثَّرَ فِيهِ ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ رَائِحَةُ الطِّيبِ وَلَوْنُهُ . وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ رَائِحَةُ الطِّيبِ دُونَ لَوْنِهِ . وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ لَوْنُ الطِّيبِ دُونَ رَائِحَتِهِ ، فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ الْأَمْرَانِ مَعًا ؟ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ ، مُنِعَ مِنْهُ الْمُحْرِمُ ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً ، فَإِنْ لَبِسَهُ الْمُحْرِمُ إذا لبس الثوب المصبوغ بطيب هل عليه شئ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، فَإِنْ غَسَلَهُ