فهرس الكتاب

الصفحة 845 من 8432

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مَا قَرُبَ مِنَ الْبَلَدِ فِي حُكْمِ مَا بَعُدَ عَنْهُ ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ: لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى سَفَرَ مَا قَرُبَ لَمْ يَقْصُرْ ، وَلَوْ نَوَى سَفَرَ مَا بَعُدَ جَازَ أَنْ يَقْصُرَ ، فَعُلِمَ أَنَّ حُكْمَ مَا قَرُبَ قَدْ يُخَالِفُ حُكْمَ مَا بَعُدَ . فَإِذَا صَحَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى جَمِيعِ مَنْ خَالَفَنَا .

فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ"الْأُمِّ":"وَإِذَا خَرِبَ الْبَلَدُ ، وَتَهَدَّمَ بُنْيَانُهُ ، وَبَقِيَ فِيهِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمْعَةُ ، وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى عِمَارَةٍ مَا خَرِبَ ، وَبِنَاءِ مَا انْهَدَمَ ، لَزِمَتْهُمُ الْجُمْعَةُ ، لِأَنَّهُمْ مُسْتَوْطِنُونَ".

فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ وَفِي الْقَرْيَةِ أَرْبَعُونَ مِمَّنْ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمْعَةُ ، وَكَانَ يَبْلُغُ أَهْلَ الْبَلَدِ النِّدَاءُ ، لَزِمَهُمُ السَّعْيُ إِلَى الْقَرْيَةِ ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ ، فَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ ، وَفِي الْقَرْيَةِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ وَكَانُوا إِذَا اجْتَمَعُوا أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا ، لَمْ تَلْزَمْهُمُ الْجُمْعَةُ ، لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِذَا سَعَى إِلَى الْآخَرِينَ خَرَجُوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُسْتَوْطِنِينَ ، فَلَمْ يَصِحَّ انْعِقَادُ الْجُمْعَةِ بِهِمْ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةً مُجْتَمِعَةَ الْبِنَاءِ وَالْمَنَازِلِ وَكَانَ أَهْلُهَا لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إِلَّا ظَعْنَ حَاجَةٍ وَكَانَ أَهْلُهَا أَرْبَعِينَ رَجُلًا حُرًّا بَالِغًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ وَاحْتَجَّ بِمَا لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ قَرْيَةٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ وَمِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ . هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَنْعَقِدُ فِيهِ الْجُمْعَةُ ، وَالثَّانِي: فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمْعَةُ . فَأَمَّا الْمَكَانُ: فَمَذْهَبُنَا أَنَّهَا تَنْعَقِدُ فِي الْأَمْصَارِ ، وَالْقُرَى إِذَا كَانَتِ الْقَرْيَةُ مُجْتَمِعَةَ الْبِنَاءِ ، وَكَانَ لَهَا عَدَدٌ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمْعَةُ ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إِلَّا ظَعْنَ حَاجَةٍ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبِ الْجُمْعَةُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى ، وَلَا تَصِحُّ إِقَامَةُ الْجُمْعَةِ فِيهَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِصْرًا جَامِعًا ، فَيَلْزَمُهُمْ إِقَامَتُهَا . وَحَدُّ الْمِصْرِ عِنْدَهُ: أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِمَامٌ يُقِيمُ الْحُدُودَ ، وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ ، وَجَامِعٌ وَمِنْبَرٌ ، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَمِنْ نَصِّ قَوْلِهِ اسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ قَالُوا: وَلِأَنَّ فَرْضَ الْجُمْعَةِ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ وَالْقُرَى مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ، وَمَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَيِّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانًا خَاصًّا ، بَلْ يُشَرِّعُهُ شَرْعًا عَامًّا ، وَلَا يُنْقَلُ آحَادًا بَلْ يُنْقَلُ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت