وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ إِبَاحَةٌ بَعْدَ حَظْرٍ ، فَقَدْ حَلَّ مِنَ الْعُمْرَةِ بِإِكْمَالِ السَّعْيِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ ، وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَالْمُسْتَحَبُّ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَنْحَرَهُ قَبْلَ حَلْقِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ الْبَقَرَةِ: ] ، وَمَوْضِعُ النَّحْرِ عِنْدَ إِحْلَالِهِ ، وَإِحْلَالُهُ مِنَ الْعُمْرَةِ يَكُونُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ ، فَهُنَاكَ يَنْحَرُ وَإِنْ نَحَرَ مِنْ فِجَاجِ مَكَّةَ أَوِ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [ الْفَتْحِ: ] ، لَكِنَّ الْحَلْقَ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ لِأَنِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ ، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ ، لِأَنَّ الْحَلْقَ أَعَمُّ مِنَ التَّقْصِيرِ ، فَكَانَ أَكْثَرَ ثَوَابًا ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّقْصِيرَ جَائِزٌ وَالْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنْهُ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يُلَبِّدْ رَأْسَهُ وَلَا عَقَصَهُ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ لَبَّدَ رَأْسَهُ وَعَقَصَهُ فهل يحلق أويقصر فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الْحَلْقُ ، لِرِوَايَةِ فُلَيْحٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَلْقُ . وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْحَلْقُ أَفْضَلَ لَهُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [ الْفَتْحِ: ] .
فَصْلٌ: فَإِذَا أَرَادَ حَلْقَ رَأْسِهِ بَدَأَ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى يَسَارِ الْحَالِقِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْسَرِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَمِينِ الْحَالِقِ ، فَاعْتَبَرَ الْبِدَايَةَ بِيَمِينِ الْحَالِقِ دُونَ الْمَحْلُوقِ ، وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ الْبِدَايَةَ بِيَمِينِ الْمَحْلُوقِ دُونَ الْحَالِقِ وَهَذَا أَوْلَى: لِرِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَمْرَةَ ، وَفَرَغَ مِنْ نُسُكِهِ ، نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ فَحَلَقَهُ ، ثُمَّ قَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَرُوِيَ أَنَّ الَذِي حَلَقَ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ يَمِينِ صَاحِبِ النُّسُكِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ الْحَالِقِ: لِأَنَّ النُّسُكَ فِي رَأْسِهِ دُونَ رَأْسِ الْحَالِقِ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَفِي الْحَلْقِ أَرْبَعُ سُنَنٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ . وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَبْتَدِئَ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ . وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يُكَبِّرَ عِنْدَ فَرَاغِهِ . وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَدْفِنَ شَعْرَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيَبْلُغُ الْحَلْقُ إِلَى الْعَظْمَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُنْتَهَى نَبَاتِ الشَّعْرِ ؛ لِيَكُونَ مُسْتَوْعِبًا لِجَمِيعِ رَأْسِهِ ، فَلَوْ طَلَى رَأْسَهُ بِالنَّوْرَةِ حَتَّى ذَهَبَ شَعْرُهُ أَوْ نَتَفَهُ أَجْزَأَهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِزَالَةُ الشَّعْرِ .
فَصْلٌ: فَلَوْ كَانَ أَصْلَعَ أَوْ مَحْلُوقَ الرَّأْسِ ، وَلَيْسَ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ وَلَا زَغَبٌ ، فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ .