وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [ الْفَتْحِ: ] فَعَلَّقَ الْحَلْقَ بِالرَّأْسِ فَلَمْ يُسْقِطْهُ ذَهَابُ الشَّعْرِ ، وَهَذَا غَلَطٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّعْرِ دُونَ الرَّأْسِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ فَأَمَرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَلْقِ الشَّعْرِ ، لَمْ يُجْزِهِ ، وَلَوْ أَزَالَ الشَّعْرَ مِنْ غَيْرِ إِمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْحَلْقِ مُتَعَلِّقًا بِالشَّعْرِ سَقَطَ الْحُكْمُ بِزَوَالِ الشَّعْرِ ، كَالْأَقْطَعِ الذِّرَاعِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْغَسْلُ لِزَوَالِ الْعُضْوِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْغَسْلُ . وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ فَرْضٌ يَتَعَلَّقُ بِجُزْءٍ مِنْ بَدَنِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْجُزْءِ مُسْقِطًا لِفَرْضِهِ كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ . وَالثَّانِي: أَنَّ حُكْمَ الْحَلْقِ يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِ الِاسْمِ ، وَلَا يُسَمَّى حَالِقًا بِإِمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَلْقِ الشَّعْرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ ، فَأَمَرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِذَا انْتَفَى عَنْهُ اسْمُ الْحَلْقِ ، انْتَفَى عَنْهُ حُكْمُ الْحَلْقِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ شَعْرٌ خَفِيٌّ أَوْ زَغَبٌ غَيْرُ طَاهِرٍ أَزَالَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ، كَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْأَقْطَعِ الْيَدِ مِنَ الْمِرْفَقِ أَنْ"يَمَسَّ مَوْضِعَهُ بِالْمَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِيَكُونَ خَلِقًا مِمَّا فَاتَ ، وَمَنَعَ ابْنُ دَاوُدَ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْحَالِقَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ لِحْيَتِهِ طُولًا وَعَرْضًا ، فَلَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ زَغَبُهُ طَاهِرٌ ، لَزِمَهُ حَلْقُهُ كَمَا لَوْ كَانَ شَعْرُهُ بَاقِيًا ."
فَصْلٌ: وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ وَأَرَادَ التَّقْصِيرَ أَخَذَ مِنْ شِعْرِهِ مِمَّا عَلَا الْمُشْطَ ، وَكَيْفَمَا أَخَذَهُ بِمِقْرَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ قَطَعَهُ بِيَدِهِ أَوْ قَرَضَهُ بِسِنِّهِ أَجْزَأَهُ ، فَلَوْ كَانَ شَعْرُهُ مُسْتَرْسِلًا عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ أَجْزَأَهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَطْرَافِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ بَشَرَةَ الرَّأْسِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ إِلَّا أَنْ يُحَاذِيَ بَشَرَةَ الرَّأْسِ ، وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَمَعَ بَيْنَ التَّقْصِيرِ وَالْمَسْحِ ، فَقَالَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِتَقْصِيرِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ ، كَمَا لَا يُجْزِئُ إِلَّا مَسْحُ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ ، وَهُوَ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْحِ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّأْسِ فَلَمْ يُجْزِ فِيمَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَأْسٍ ، وَحُكْمُ الْحَلْقِ مُتَعَلِّقٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ ، فَجَازَ فِيمَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ: لِأَنَّهُ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ فِي الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا ، فَأَمَّا دُونَ الثَّلَاثِ فَلَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا حَلَقَ الْمُعْتَمِرُ بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ أَوْ قَصَّرَ فَقَدْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ وَإِنْ أَرَادَ الْحَجَّ