أَخْرَسَ ، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَهُ بِجِنَايَةٍ ثُمَّ قَطَعَهَا بَعْدَ الشَّلَلِ لَزِمَتْهُ دِيَةٌ فِي الشَّلَلِ وَحُكُومَةٌ فِي الْقَطْعِ بَعْدَهُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإِنْ قَالَ لَمْ أَكُنْ أَبْكَمَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ نَاطِقٌ فَهُوَ نَاطِقٌ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَالَ ذَلِكَ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا مَضَى إِذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ قَطْعِ اللِّسَانِ فِي سَلَامَتِهِ وَخَرَسِهِ الأخرس في الجناية عليه ( ديته ) فَادَّعَى الْجَانِي أَنَّهُ كَانَ أَخْرَسَ وَادَّعَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ نَاطِقًا فَاللِّسَانُ مِنَ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ فِي الْكَبِيرِ ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِنُطْقِهِ وَسَلَامَتِهِ ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ إِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِتَقَدُّمِ السَّلَامَةِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ قَوَدٍ وَعَقْلٍ ، فَإِنِ اعْتَرَفَ لَهُ بِتَقَدُّمِ السَّلَامَةِ وَادَّعَى زَوَالَهَا قَبْلَ جِنَايَتِهِ دية الجناية على الأخرس فَهُوَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَنْ قَطَعَ مَلْفُوفًا فِي ثَوْبٍ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا - فِيهِ قَوْلَانِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا . فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنَ الْمَقْطُوعِ اللِّسَانِ أَنْ يَقُولَ لَمْ أَكُنْ أَبْكَمَ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ بَعْدَ قَطْعِهِ عَلَى الْقَوْلِ . قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْعَيْنِ فَعَبَّرَ عَنِ الْإِشَارَةِ بِالْقَوْلِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً وَخِدْرُنَا كَالدُّرِّ لَمَّا يُثْقَبِ فَعَبَّرَ عَنْ إِشَارَةِ الْعَيْنَيْنِ بِالْقَوْلِ .
فَصْلٌ: وَإِذَا قَطَعَ لِسَانَهُ فَأَخَذَ بِالْقَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ ثُمَّ ثَبَتَ لِسَانُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى سِنِّ الْمَثْغُورِ إِذَا نَبَتَ بَعْدَ أَخْذِ دِيَتِهَا ، وَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لَا يَسْتَرْجِعُ بِهَا مَا أَخَذَهُ مِنْ دِيَتِهَا ، فَعَلَى هَذَا أَوْلَى فِي اللِّسَانِ أَنْ يَكُونَ عَطِيَّتُهُ مُسْتَجَدَّةً لَا يَسْتَرْجِعُ بَعْدَ نَبَاتِهِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ دِيَتِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ السِّنَّ الثَّابِتَةَ خَلَفٌ مِنَ السِّنِّ الذَّاهِبَةِ دَلَّ عَلَى بَقَاءِ أَصْلِهَا ، فَيَسْتَرْجِعُ مِنْهُ بَعْدَ نَبَاتِهَا مَا أَخَذَهُ مِنْ دِيَتِهَا ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ حُكْمُ اللِّسَانِ إِذَا نَبَتَ بعد أخذ الدية كَذَلِكَ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي عَوْدِ ضَوْءِ الْعَيْنِ بَعْدَ ذَهَابِهِ ديته في الجناية عليه ، وَلَكِنْ لَوْ جَنَى عَلَى لِسَانِهِ فَخَرِسَ وَغَرِمَ دِيَتَهُ ثُمَّ عَادَ فَنَطَقَ رَدَّ مَا أَخَذَهُ مِنَ الدِّيَةِ قَوْلًا وَاحِدًا ، بِخِلَافِ اللِّسَانِ إِذَا نَبَتَ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَهَابَ اللِّسَانِ مُسْتَحَقٌّ وَأَنَّ النَّابِتَ غَيْرُهُ وَذَهَابُ الْكَلَامِ مَظْنُونٌ ، فَدَلَّ النُّطْقُ عَلَى بَقَائِهِ .