وَحَصَرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مَعَانِي الْعِلَّةِ وَمَنَعَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ ، وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ بَيَانٌ وَبُرْهَانٌ . فَأَمَّا إِنْ تَعَارَضَ التَّعْلِيقُ بِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ مُسْتَنْبَطٌ كَانَ مَعْنَى النَّصِّ أَوْلَى مِنْ مَعْنَى الِاسْتِنْبَاطِ كَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالنَّصِّ أَوْلَى مِنَ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ . وَذَلِكَ مِثْلُ تَعْلِيلِ مَالِ الْفَيْءِ قَالَ تَعَالَى: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [ الْحَشْرِ: ] . وَتَعْلِيلُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ [ الْمَائِدَةِ: ] . الْآيَةَ وَكَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَحْرِيمِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ:"إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِأَجْلِ الدَّافَّةِ"وَكَمَا عَلَّلَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ بِأَنْ قَالَ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ:"أَيَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ قِيلَ: نَعَمْ قَالَ: فَلَا إِذَنْ". فَهَذَا التَّعْلِيلُ كُلُّهُ عَنْ نُصُوصٍ لَا يَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ بِعِلَلٍ مُسْتَنْبَطَةٍ .
فَصْلٌ: تَعْرِيفُ الْقِيَاسِ: فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُقَدِّمَتَيِ الْقِيَاسِ مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِنْبَاطِ فَالْقِيَاسُ مَوْضُوعٌ لِطَلَبِ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا مِنَ الْأُصُولِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِالْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ مَعَانِيهَا: لِيَلْحَقَ كُلُّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ: حَتَّى يُشْرِكَهُ فِي حُكْمِهِ ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِالْعِلَّةِ فَصَارَ الْقِيَاسُ إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ . وَفِيمَا أُخِذَ مِنْهُ اسْمُ الْقِيَاسِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَذَا قِيَاسُ هَذَا أَيْ مِثْلُهُ: لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِي الْحُكْمِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْإِصَابَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: قِسْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَصَبْتُهُ ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُصِيبُ بِهِ الْحُكْمَ .
حُجِّيَّةُ الْقِيَاسِ
حُجِّيَّةُ الْقِيَاسِ: وَالْقِيَاسُ: أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ وَحُجَّةٌ تُسْتَخْرَجُ بِهَا أَحْكَامُ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا ، يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ النُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَالنُّصُوصُ فِي الْأَحْكَامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعَانِيهَا إِذَا عَقِلَتْ وَبِالْأَسْمَاءِ إِذَا جَهِلَتْ ، وَيَكُونُ اخْتِلَافُهَا عَلَى حَسَبِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ بِهَا . وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِ إِثْبَاتِهِ فَأَثْبَتَهُ أَكْثَرُهُمْ دَلِيلًا ، وَأَثْبَتَهُ شَاذٌّ مِنْهُمْ دَلِيلًا بِالْعَقْلِ . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى إِبْطَالِ الْقِيَاسِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِي الشَّرْعِ ، وَلَا