فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى أنواعها فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ الْبَتَّةَ كَحَدِّ الزِّنَى وَحَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ ، فَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى فِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ عَنْهُ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِسَتْرِهِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ". وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَى ، ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يُحَدَّ ، وَلِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ خَصْمٍ فِي حَقِّهِ أَوْ حَقِّ غَيْرِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى . فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالزِّنَى حَقٌّ لِآدَمِيٍّ كَالْقَاذِفِ بِالزِّنَى إِذَا طُولِبَ بِالْحَدِّ ، فَقَالَ: أَنَا صَادِقٌ فِي قَذْفِهِ بِالزِّنَى ، وَادَّعَاهُ عَلَى الْمَقْذُوفِ ؛ سُمِعَتْ حِينَئِذٍ هَذِهِ الدَّعْوَى ، لِيَكُونَ الْإِقْرَارُ بِهِ مُسْقِطًا لِحَدِّ الْقَذْفِ ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْمَقْذُوفُ أُحْلِفَ ، فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْقَاذِفِ ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ ، وَلَمْ يَجِبْ بِيَمِينِهِ حَدُّ الزِّنَى عَلَى الْمَقْذُوفِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ: مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، لِسَرِقَةٍ تُوجِبُ الْغُرْمَ ، وَهُوَ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ . وَالْقَطْعُ ، وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ سَقَطَ الْغُرْمُ بِتَحْلِيلٍ أَوْ إِبْرَاءٍ ، لَمْ تَصِحَّ الدَّعْوَى فِيهِ حِينَئِذٍ وَسَقَطَ وُجُوبُ الْيَمِينِ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ الْغُرْمُ بَاقِيًا صَحَّتْ فِيهِ الدَّعْوَى ، وَوَجَبَتْ فِيهِ الْيَمِينُ فَإِنْ نَكَلَ السَّارِقُ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي ، فَإِذَا حَلَفَ اسْتَحَقَّ الْغُرْمَ ، وَلَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ ، لِأَنَّ الْغُرْمَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَالْقَطْعَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَجْرَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَ انْفِرَادِهِ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِالِاجْتِمَاعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مُخْتَصَرٌ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَمَا دَخَلَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ
قَبُولُ شَهَادَةٍ الْعَدْلِ