فهرس الكتاب

الصفحة 3048 من 8432

الْمُقَاسِمِ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُقَاسِمْ في الشفعة ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَاعَ مُشَاعًا بَاعَ غَيْرَ مُتَجَزِّئٍ ، فَيَكُونُ شَرِيكُهُ أَحَقَّ بِهِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ شَائِعٌ فِيهِ ، وَعَلَيْهِ فِي الدَّاخِلِ سُوءُ مُشَارَكَةٍ ، وَمُؤْنَةُ مُقَاسَمَةٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَقْسُومُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الشُّفْعَةُ فَفِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ أَتَاهُ جَارُهُ ، أَوْ شَرِيكُهُ فَشَفَعَ إِلَيْهِ فِيمَا بَاعَ ، فَشَفَّعَهُ ، وَجَعَلَهُ أَوْلَى مِمَّنْ بَعُدَ سَبَبُهُ ؛ فَسُمِّيَتْ شُفْعَةً وَسُمِّيَ طَالِبُهَا شَفِيعًا ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ ، قَالَهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ . وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ طَالِبَهَا جَاءَ تَالِيًا لِلْمُشْتَرِي ، فَكَانَ ثَانِيًا بَعْدَ أَوَّلٍ ؛ فَسُمِّيَ شَفِيعًا ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ شَفْعٌ ، وَالْوَاحِدَ وِتْرٌ ، وَسُمِّيَ الطَّلَبُ شُفْعَةً ."

فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، إِلَّا مَنْ شَذَّ عَنِ الْكَافَّةِ مِنَ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ ، فَإِنَّهُمَا أَبْطَلَاهَا رَدًّا لِلْإِجْمَاعِ ، وَمَنْعًا مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَتَمَسَّكَا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ نَفْسٍ مِنْهُ . وَهَذَا خَطَأٌ لِفُحْشٍ مِنْ قَائِلِهِ ؛ لِأَنَّ مَا رُوِيَ فِي الشُّفْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَاتِرًا فَالْعَمَلُ بِهِ مُسْتَفِيضٌ ، يَصِيرُ بِهِ الْخَبَرُ كَالْمُتَوَاتِرِ ، ثُمَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ مُنْعَقِدٌ ، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِهِ شَرْعًا وَاقِعًا ، وَلَيْسَ فِي التَّمَسُّكِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ مِنَ الشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُعَاوِضُ عَلَيْهِمَا بِمَا بَذَلَهُ فَيَصِلُ إِلَيْهِ ، وَلَا يَسْتَحِلُّ مِنْهُ .

فَصْلٌ الشُّفْعَةِ مُسْتَحَقَّةٌ فِي عِرَاصِ الْأَرَضِينَ

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُ الشُّفْعَةِ ، فَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ فِي عِرَاصِ الْأَرَضِينَ ، وَيَكُونُ مَا اتَّصَلَ بِهَا مِنَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ تَبَعًا . وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِنْهَا مُشَاعًا ، كَانَتِ الشُّفْعَةُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَهَا إِجْمَاعًا . وَإِنِ الْمَبِيعُ مَحُوزًا ، فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ . وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ . وَمِنَ التَّابِعِينَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَهْلُ الْحَرَمَيْنِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنَّ شُفْعَةَ الْمَحُوزَةِ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْجَارِ . وَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا سَلَفٌ وَرُبَّمَا أَضَافُوهُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ . وَإِنْ عَفَا الْجَارُ عَنْهَا ، كَانَتْ لِمَنْ يَلِيهِ فِي الْقَرِيبِ ثُمَّ لِمَنْ يَلِيهِ إِلَى آخِرِ الْجِوَارِ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ نَافِذَةً ، فَلَا تَجِبُ لِغَيْرِ الْجَارِ الْمُلَاصِقِ ، اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ وَرَوِي بِسَقَبِهِ يَعْنِي بِقُرْبِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت