قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا كَانَ وَاجِدُ اللُّقَطَةِ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَسْبٌ لِوَاجِدِهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ كَالرِّكَازِ ، فَتُقَرُّ فِي يَدِهِ وَلَا تُنْتَزَعُ مِنْهُ ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَضُمُّ إِلَيْهِ أَمِينٌ يُرَاعِيهَا مَعَهُ حِفْظًا لَهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِيهَا بِحَالٍ ، وَيَكُونُ هُوَ الْمُقِيمُ بِحِفْظِهَا وَتَعْرِيفِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ نَظَرٌ فِيهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فِي الْإِفْصَاحِ: أَنَّ الْحَاكِمَ يَضُمُّ إِلَيْهِ أَمِينًا يُرَاعِي حِفْظَهَا فِي يَدِ الْوَاجِدِ اسْتِظْهَارًا لِلْمَالِكِ وَإِنْ لَمْ تُنْتَزَعْ لِمَا تَعَلَّقَ بِهَا مِنْ حَقِّ الْوَاجِدِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ: أَنَّ الْحَاكِمَ يَنْتَزِعُهَا مِنْ يَدِ الْوَاجِدِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا ، وَيَدْفَعُهَا إِلَى مَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْ أُمَنَائِهِ: لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَنْدُوبٌ إِلَى حِفْظِ أَمْوَالِ مَنْ غَابَ ، وَلِأَنَّ مَالِكَهَا لَمْ يَرْضَ بِذِمَّةِ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّ لَمَّا وَجَبَ انْتِزَاعُ الْوَصِيَّةِ مِنْ يَدِهِ لِفِسْقِهِ مَعَ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ لَهُ فَلِأَنْ يُخْرِجَ يَدَ الْوَاجِدِ الَّذِي لَمَّ يَخْتَرْهُ أَوْلَى ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِذَا أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهِ إِلَى أَمِينٍ يَقُومُ بِحِفْظِهَا ، فَفِي الَّذِي يَقُومُ بِتَعْرِيفِهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ: أَنَّ الْأَمِينَ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَعْرِيفِهَا خَوْفًا فِي جِنَايَةِ الْوَاجِدِ فِي تَعْرِيفِهَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي الْأُمِّ: أَنَّ الْوَاجِدَ هُوَ الْمُعَرِّفُ دُونَ الْأَمِينِ: لِأَنَّ التَّعْرِيفَ مِنْ حُقُوقِ التَّمْلِيكِ وَلَيْسَ فِيهِ تَقْرِيرٌ: لِأَنَّهَا لَا تُدْفَعُ بِالصِّفَةِ ، فَإِذَا عَرَّفَهَا حَوْلًا وَلَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَاجِدُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا سُلِّمَتْ إِلَيْهِ وَأَشْهَدَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِغُرْمِهَا إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا كَانَتْ فِي يَدِ الْأَمِينِ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوَاجِدُ لَهَا مَأْمُونًا لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا اى للقطة ، فَإِنَّهَا لَا تُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ ، وَلَكِنْ يَضُمُّ الْحَاكِمُ إِلَيْهِ أَمِينًا يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا لِيَقْوَى بِهِ عَلَى الْحِفْظِ وَالتَّعْرِيفِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَالْمُكَاتَبُ فِي اللُّقَطَةِ كَالْحُرِّ: لِأَنَّ مَالَهُ يُسَلَّمُ لَهُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي اللُّقَطَةِ كَالْحُرِّ فِي جَوَازِ أَخْذِهَا وَتَمَلُّكِهَا . وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ: إِنَّهُ كَالْعَبْدِ فِي أَنَّهُ إِنْ أَخَذَهَا لِسَيِّدِهِ جَازَ ، وَإِنْ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا لِاخْتِلَافِ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ ، فَبَعْضُهُمْ يُخْرِجُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالْحُرِّ فِي جَوَازِ أَخْذِهَا وَصِحَّةِ تَمَلُّكِهَا لِنُفُوذِ عُقُودِهِ وَتَمَلُّكِ هِبَاتِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَالْعَبْدِ: لِأَنَّ مَالِكَ اللُّقَطَةِ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّةِ مَنْ لَهُ اسْتِرْقَاقٌ فِي نَفْسِهِ بِالتَّعْجِيزِ وَإِبْطَالِ ذِمَّتِهِ بِالْفَسْخِ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ اخْتِيَارُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ فِيهِ هُوَ كَالْحُرِّ إِذَا كَانَتْ كِتَابَتُهُ صَحِيحَةً ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ هُوَ كَالْعَبْدِ إِذَا كَانَتْ كِتَابَتُهُ فَاسِدَةً ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ: