شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمْ ، لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُمْ ، وَلَمْ يَجُزْ بَعْدَ افْتِرَاقِهِمْ لِتُوَجُّهِ التُّهْمَةِ إِلَيْهِمْ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى رَدِّ شَهَادَتِهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [ الْبَقَرَةِ: مِنَ الْآيَةِ ] ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَيْسَ الصِّبْيَانُ مِنَ الرِّجَالِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا عَدَلَ عَنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْدَلُ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الصِّبْيَانِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَلَيْسَ الصِّبْيَانُ مِمَّنْ يُرْضَى مِنَ الشُّهَدَاءِ . وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ ثَلَاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ"فَلَمَّا كَانَ الْقَلَمُ مَرْفُوعًا عَنْهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ إِذَا أَقَرَّ ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يُرْفَعَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، إِذَا شَهِدَ ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْأَمْوَالِ أَخَفُّ مِنْهَا فِي الدِّمَاءِ ، وَهِيَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِنْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا تُقْبَلَ فِي الدِّمَاءِ . وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لِأَجْلِ اعْتِزَالِهِمْ عَنِ الرِّجَالِ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، لَجَازَ لِأَجْلِ اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَالْأَعْرَاسِ ، أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ بِعَضِّهِنَّ عَلَى بَعْضٍ ، وَهِيَ لَا تُقْبَلُ مَعَ الضَّرُورَةِ مَعَ جَوَازِ قَبُولِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْأَمْوَالِ ، فَالصِّبْيَانُ الَّذِينَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مَعَ الرِّجَالِ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا تُقْبَلَ فِي الِانْفِرَادِ ، وَبِهِ يَبْطُلُ اسْتِدْلَالُهُمْ . وَقَضَاءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَعَ خِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ . وَالْقِيَاسُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِي الْأَمْوَالِ لَمْ تُقْبَلْ فِي الْجِرَاحِ ، كَالْفَسَقَةِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ"وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَمْلُوكٍ ، وَلَا كَافِرٍ ، وَلَا صَبِيٍّ بِحَالٍ ، لِأَنَّ الْمَمَالِيكَ يَغْلِبُهُمْ مَنْ يَمْلِكُهُمْ عَلَى أُمُورِهِمْ ، وَأَنَّ الصِّبْيَانَ لَا فَرَائِضَ عَلَيْهِمْ ، فَكَيْفَ يَجِبُ بِقَوْلِهِمْ فَرْضٌ ، وَالْمَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ ، فَكَيْفَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْكَافِرِينَ مَعَ كَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ ، جَلَّ وَعَزَّ قَالَ الْمُزَنِيُّ أَحْسَنَ الشَّافِعِيُّ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمَمْلُوكُ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ شَهَادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَقِيَتْ فِيهِ أَحْكَامُ الرِّقِّ ، وَإِنِ انْعَقَدَتْ لَهُ أَسْبَابُ الْعِتْقِ مِنَ الْمُدَبَّرِ ، وَالْمُكَاتَبِ ، وَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَمَنْ رَقَّ بَعْضُهُ وَعُتِقَ بَعْضُهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ، لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا تَكَامَلَ عِتْقُ أَحَدِهِمْ وَصَارَ حُرًّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ وَلَاءُ الْعِتْقِ جَارِيًا عَلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ"