فهرس الكتاب

الصفحة 6078 من 8432

وَالْحُرِّ بِالْعَبْدِ ، فَيَعْتَقِدُ السُّلْطَانُ الْآمِرُ وُجُوبَهُ ، لِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ ، وَيَعْتَقِدُ الْمَأْمُورُ سُقُوطَهُ كَمَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ مَذْهَبِهِ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لَكِنْ يُعَزَّرُ الْمَأْمُورُ: لِإِقْدَامِهِ عَلَى قَتْلٍ يَعْتَقِدُ حَظْرَهُ ، وَإِنْ سَقَطَ الْقَوَدُ بِاجْتِهَادِهِ كَالْآمِرِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ مَحْظُورًا وَدَمُ الْمَقْتُولِ مَحْقُونًا ، وَالْمَأْمُورُ عَالِمًا بِظُلْمِهِ إِنْ قَتَلَ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْآمِرِ إِكْرَاهٌ لِلْمَأْمُورِ ، فَالْقَوَدُ وَاجِبٌ عَلَى الْمَأْمُورِ دُونَ الْآمِرِ: لِمُبَاشَرَتِهِ لِقَتْلِ مَظْلُومٍ بِاخْتِيَارِهِ ، وَيُعَزَّرُ الْآمِرُ تَعْزِيرًا مِثْلَهُ: لِأَمْرِهِ بِقَتْلٍ هُوَ مَأْمُورٌ بِمَنْعِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْآمِرِ إِكْرَاهٌ لِلْمَأْمُورِ صَارَ بِهِ الْآمِرُ قَاهِرًا وَالْمَأْمُورُ مَقْهُورًا ، فَالْقَوَدُ عَلَى الْآمِرِ الْقَاهِرِ وَاجِبٌ ، وَلَا تَمْنَعُ وِلَايَتُهُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ مِنْ إِعْفَاءِ الْوُلَاةِ مِنَ الْقِصَاصِ: لِأَنْ لَا يَنْتَشِرَ بِالِاقْتِصَاصِ مِنْهُمْ فَسَادٌ ، وَهَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّ الْحُدُودَ وَالْحُقُوقَ يَسْتَوِي فِيهَا الشَّرِيفُ وَالْمَشْرُوفُ ، وَالْوَالِي وَالْمَعْزُولُ ، وَقَدْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِصَاصَ مِنْ نَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ ، وَلِأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِعْطَاءِ الْحَقِّ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ يَتَوَلَّى أَخْذَ الْحُقُوقِ لِغَيْرِهِ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [ الْبَقَرَةِ: 44 ] ، وَيَكُونُ الْقَهْرُ مِنْ هَذَا الْآمِرِ فِسْقًا ، وَهَلْ يَنْعَزِلُ بِهِ عَنْ إِمَامَتِهِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَنْعَزِلُ: لِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي عَقْدِ إِمَامَتِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَنْعَزِلُ بِهِ حَتَّى يَعْزِلَهُ أَهْلُ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ ، إِنْ أَقَامَ عَلَى حَالِهِ وَلَمْ يَتُبْ عِنْدَ اسْتِتَابَتِهِ: لِأَنَّ وِلَايَتَهُ انْعَقَدَتْ بِهِمْ فَلَمْ يَنْعَزِلْ عَنْهَا إِلَّا بِهِمْ . فَأَمَّا الْمَأْمُورُ الْمَقْهُورُ فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ: لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إِحْيَاءَ نَفْسِهِ بِقَتْلِ غَيْرِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِلَّتِهِ ، فَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُ: أَنَّ الْإِكْرَاهَ على القتل شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحُدُودُ ، فَعَلَى هَذَا: يَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ نِصْفُهَا: لِأَنَّهُ أَحَدُ قَاتِلَيْنِ: لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تُدْرَأُ بِهَا الْحُدُودُ وَلَا تُدْفَعُ بِهَا الْحُقُوقُ . وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ إِلْجَاءٌ وَضَرُورَةٌ ، يَنْقِلُ حُكْمَ الْفِعْلِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ إِلَى الَأَمْرِ ، فَعَلَى هَذَا: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

بَابُ الْحُكْمِ فِي السَّاحِرِ إِذَا قَتَلَ بِسِحْرِهِ

بيان أَصْلُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت