فِي مَوْضِعٍ إِبَاحَةَ أَكَلِهِ ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ ، فَتَوَهَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ، فَخَرَجَ إِبَاحَةُ أَكْلِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ اعْتِبَارًا بِظَوَاهِرِ كَلَامِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . وَالصَّحِيحُ أَنَّ إِبَاحَتَهُ لِأَكْلِهِ إِذَا كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي التَّدَاوِي وَتَحْرِيمَ أَكْلِهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ فِي التَّدَاوِي ، فَيَكُونُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ لَا عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ الْمَدَنِيَّ وَالْكُوفِيَّ فِي الِانْتِفَاعِ بِشَعَرِ الْخِنْزِيرِ وصُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا وَفِي صُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا ، فَقَالَ: لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْخِلَافُ فِي نَجَاسَةِ الشُّعُورِ وَالْأَصْوَافِ وَطَهَارَتِهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ ، فَالطَّاهِرُ مِنْهَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الذَّائِبِ وَالْيَابِسِ ، وَأَمَّا النَّجِسُ مِنْهَا ، فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ طَاهِرًا ، كَشُعُورِ السِّبَاعِ ، وَالذِّئَابِ ، فَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْيَابِسَاتِ مِنْ مَتَاعٍ دُونَ الذَّائِبَاتِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ نَجِسًا فِي الْحَيَاةِ كَشَعْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ، وَإِنْ جَرَى عُرْفُ الْعَوَامِّ بِاسْتِعْمَالِهِ ، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ . وَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، فَقَالَ: اللِّيفُ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ ، فَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ وَأَجَازَهُ ، وَعَوَّلُوا فِي إِبَاحَةِ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ عُرْفَ الْعَامَّةِ جَارٍ بِاسْتِعْمَالِهِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِالْخِنْزِيرِ حَيًّا كَانَ تَحْرِيمُ شَعْرِهِ مَيْتًا أَوْلَى . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَغْلَظَ تَنْجِيسًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَغْلَظَ تَحْرِيمًا ، فَإِنْ خَالَفُوا مِنْ نَجَاسَتِهِ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَيْهِ . فَأَمَّا تَعْوِيلُهُمْ عَلَى الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، فَالْحَاجَةُ لَا تُبِيحُ مَحْظُورًا ، وَقَدْ يَقُومُ اللِّيفُ مَقَامَهُ ، فَسَقَطَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ . وَتَعْوِيلُهُمْ عَلَى الْعُرْفِ فِي اسْتِعْمَالِهِ ، فَهُوَ عُرْفٌ مِنْ مُسْتَرْسِلٍ فِي دِينِهِ . فَإِذَا صَحَّ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِهِ كَانَ مَأْثَمُ تَحْرِيمِهِ عَائِدًا عَلَى مُسْتَعْمِلِهِ ، وَجَازَ بَيْعُ الْمَحْرُوزِ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ الشَّعْرُ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ يَابِسًا لَاقَى يَابِسًا ، فَالْخُفُّ الْمَحْرُوزُ بِهِ طَاهِرٌ ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ جَائِزَةٌ ، وَإِنْ لَاقَى فِي الْحِرْزِ نَدَاوَةً كَانَ مَا مَسَّهُ الشَّعْرُ مِنَ الْخُفِّ الْمَحْرُوزِ نَجِسًا ، فَإِنْ غُسِلَ سَبْعًا بِتُرَابٍ طَهُرَ ظَاهِرُهُ ، وَلَمْ تَطْهُرْ دَوَاخِلُ الْحِرْزِ ، وَلَمْ تَجُزِ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْأَصْلُ فِي إِبَاحَةِ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ