أَنَّ ثَمَنَ التَّالِفِ لَا يُمَلَّكُ وَقِيمَةَ التَّالِفِ تُمَلَّكُ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مَا أَمْكَنَ رَدُّهُ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَتَمْلِيكُهُ ، وَالْقِيمَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْحَيْلُولَةِ دُونَ الْفَوَاتِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ وُجُودَ الْمَغْصُوبِ بَعْدَ أَخْذِ قِيمَتِهِ مُوجِبٌ لِرَدِّهِ وَاسْتِرْجَاعِ قِيمَتِهِ فَإِذَا اسْتَرَدَّهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ رَجَعَ بِنَقْصٍ إِنْ كَانَ فِيهِ وَبِنَمَاءٍ إِنْ حَدَثَ مِنْهُ وَبِأُجْرَتِهِ إِلَى وَقْتِ أَخْذِهِ لِقِيمَتِهِ وَفِي رُجُوعِهِ بِأُجْرَتِهِ بَعْدَ أَخْذِ قِيمَتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهَا لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ . وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ بِهَا لِاعْتِيَاضِهِ عَلَيْهَا بِالْقِيمَةِ وَلَعَلَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي مِلْكِهِ لِلْقِيمَةِ هَلْ يَكُونُ مُسْتَقِرًّا ، أَوْ مُرَاعًى ، وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا غَيْرَ الْغَاصِبِ تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ بِاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ رَجَعَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَيْهِ بِالْأُجْرَةِ وَجْهًا وَاحِدًا ، وَهَلْ يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي الرُّجُوعِ بِهَا عَلَيْهِ وَعَلَى الْغَاصِبِ أَمْ لَا ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ . إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ لِلْأُجْرَةِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِضَامِنٍ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الرَّاكِبِ ، وَالْمُسْتَخْدِمِ وَحْدَهُ ، إِذَا اسْتَحَقَّ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بَعْدَ رُجُوعِ الْمَغْصُوبِ إِلَيْهِ مُطَالَبَةَ الْغَاصِبِ بِمَا وَصَفْنَاهُ فَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَهُ مِنَ الْقِيمَةِ مُسْتَهْلَكًا تَقَاضَاهُ وَرَدَّ مِثْلَ الْبَاقِي مِنْهُ وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ فَإِنْ قِيلَ بِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقَّهُ وَعَلَيْهِ رَدُّ الْبَاقِي بِعَيْنِهِ ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ مِرَاعًى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا بِرِضَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَغْصُوبِ قَدْ رَفَعَ مِلْكَهُ عَنِ الْقِيمَةِ فَصَارَ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْغَاصِبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَقَّهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَصِلَ إِلَى حَقِّهِ مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ الْقِيمَةَ عَلَى أَخْذِ الْأُجْرَةِ وَلَهُ أَنْ يَرْتَهِنَهَا عَلَى أَخْذِ النَّقْصِ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنِ الْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَلَوْ بَاعَهُ عَبْدًا وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْ رَجُلٍ فَإِنْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي نَقَضْنَا الْبَيْعَ وَرَدَدْنَاهُ إِلَى رَبِّهِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى إِبْطَالِ الْبَيْعِ وَيُصَدَّقُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَإِنْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَى رَبِّهِ الْمُقَرِّ لَهُ بِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ بَاعَ عَبْدًا عَلَى رَجُلٍ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ مِلْكًا وَأَنَّ الْبَائِعَ أَخَذَهُ مِنْهُ غَصْبًا فَلِلْبَائِعِ ، وَالْمُشْتَرِي أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَدِّقَاهُ عَلَيْهِ فَيَلْتَزِمُ الْمُشْتَرِي تَسْلِيمَهُ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ . وَالْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُكَذِّبَاهُ عَلَيْهِ فَلِلْمُدَّعِي إِحْلَافُهُمَا عَلَيْهِ مَعًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ