وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وَلَا يُطْلَقُ اسْمُ الدُّخُولِ إِلَّا عَلَى الْمُبَاشَرَةِ دُونَ النَّظَرِ: وَلِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ فَلَمْ يُوجِبْ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ ، كَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا: وَلِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْوَجْهِ وَالْبَدَنِ أَبْلَغُ فِي اللَّذَّةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ ، فَإِذَا كَانَ لَا يَحْرُمُ فَمَا دُونَهُ أَوْلَى ، فَأَمَّا الْخَبَرُ فَرِوَايَةُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْقُوفًا ، وَعَلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَطْءِ ، فَكَنَّى عَنْهُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ فَمُنْتَقِضٌ بِالنَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَحْرِيمُ الرَّبَائِبِ بِالدُّخُولِ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي تَرْبِيَتِهِ وَحِجْرِهِ أَمْ لَا تحريم الربائب هل يشترط أن تكون في تربيته وحجره أم لا . وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ . وَقَالَ دَاوُدُ: إِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ فِي تَرْبِيَتِهِ وَحِجْرِهِ ، وَحَكَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَوْسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ ، فَعَلَّقَ تَحْرِيمَ الرَّبَائِبِ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي حِجْرِهِ . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي تَحْرِيمِهَا . وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ علة تحريم البنات بعد الدخول بالأمهات هُوَ وُقُوعُ التَّنَافُسِ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّقَاطُعِ وَالتَّبَاغُضِ ، وَلَيْسَ لِلْحِجْرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَأْثِيرٌ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ اعْتِبَارٌ ، وَلِأَنَّ الْحِجْرَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الشَّرْعِ فِي إِبَاحَةٍ وَلَا حَظْرٍ ، أَلَا تَرَاهُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي تَحْرِيمِ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ ، وَلَا فِي إِبَاحَةِ بَنَاتِ الْعَمِّ ، فَكَذَلِكَ فِي الرَّبَائِبِ ، وَلَيْسَ ذِكْرُ الْحَجْرِ فِي الرَّبَائِبِ شَرْطًا ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ: لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ مِنْ أَحْوَالِ الرَّبَائِبِ إِنَّهُنَّ فِي حِجْرِ أَزْوَاجِ الْأُمَّهَاتِ ، فَصَارَ ذِكْرُهُ تَغْلِيبًا لِلصِّفَةِ لَا شَرْطًا فِي الْحُكْمِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [ الْبَقَرَةِ: 187 ] وَالصَّائِمُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ زَوْجَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَسْجِدَ عَلَى طَرِيقِ الْأَغْلَبِ مِنْ أَحْوَالِهِ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ:"لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا لِأَنَّهَا مُبْهَمَةٌ أم الزوجة"فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي مُرْسَلَةً بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا: أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ الْقُرْآنُ . وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنِ الْمُبْهَمَةَ الْمُحَرَّمَةَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهَا فَلَا يَكُونُ لَهَا إِلَّا حُكْمٌ وَاحِدٌ ، مِنْ قَوْلِهِمْ فَرَسٌ مُبْهَمٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِيَةٌ تُخَالِفُ شِيَةً ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ يَذْهَبُ إِلَى تَأْوِيلٍ ثَالِثٍ: هُوَ أَنَّ الْمُبْهَمَةَ الْمُشْكِلَةُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ: لِأَنَّ حُكْمَ الْأُمِّ غَيْرُ مُشْكِلٍ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَلَا ابْنَتُهَا أَبَدًا ، وَلَا يَطَأُ أُخْتَهَا وَلَا عَمَّتَهَا وَلَا خَالَتَهَا حَتَّى يُحَرِّمَهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ عَلَى الزَّوْجَةِ ، حُرِّمَ بِوَطْءِ الْأَمَةِ لَا