فهرس الكتاب

الصفحة 3818 من 8432

فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ لَقِيتُهُ فِي أَنْ لَيْسَ لِلْمَمَالِيكِ فِي الْعَطَاءِ حَقٌّ ، فَادَّعَى فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ وَأَبُو بَكْرٍ قَدْ خَالَفَ ؛ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ مَعَ خِلَافِهِ ؟ فَعَنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ صَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَنْ لَقِيَهُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَهُوَ لَمْ يُعَاصِرِ الصَّحَابَةَ . وَالثَّانِي: قَدْ يَعْقُبُ خِلَافَ الصَّحَابَةِ إِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَعْصَارِ ، فَصَارَ حُكْمُ الْخِلَافِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مُرْتَفِعًا . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى عَبِيدِ الْخِدْمَةِ لَا عَبِيدِ الْمُقَاتِلَةِ ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَلَا أَحَدٌ بَعْدَهُ شَيْئًا .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَعْرَابُ فَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي دِيوَانَ الْجَيْشِ وَلَا الْتَزَمَ مُلَازَمَةَ الْجِهَادِ ، وَلَكِنْ يَغْزُو إِذَا أَرَادَ وَيَقْعُدُ إِذَا شَاءَ ، الفيء فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسَمَّوْنَ أَعْرَابًا ، سَوَاءً كَانُوا عَرَبًا أَوْ عَجَمًا ، فَيُعْطَى هَؤُلَاءِ إِذَا غَزَوْا مِنَ الصَّدَقَاتِ مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ مَا يُعِينُهُمْ عَلَى غَزْوِهِمْ وَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ شَيْئًا ، فَإِنْ دَخَلُوا فِي أَهْلِ الْفَيْءِ وَأَثْبَتُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدِّيوَانِ وَالْتَزَمُوا الْجِهَادَ مَعَهُمْ ، إِذَا جَاهَدُوا صَارُوا فِي عَدَدِ الْجَيْشِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ فَيُفْرَضُ لَهُمْ فِي عَطَاءِ أَهْلِ الْفَيْءِ ، وَيُخْرَجُوا مِنْ عِدَادِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ وَيُحْرَمُوا مَا كَانُوا يُعْطَوْهُ مِنْهَا كَيْ لَا يَجْمَعُوا بَيْنَ مَالِ الصَّدَقَةِ وَمَالِ الْفَيْءِ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَيَّزَ أَهْلَ الصَّدَقَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ فِي أَيَّامِهِ ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ ، فَصَارَ الْغُزَاةُ ضَرْبَيْنِ: أَهْلَ صَدَقَةٍ وَهُمْ مَا ذَكَرْنَا ، وَأَهْلَ فَيْءٍ وَهُمْ مَنْ وَصَفْنَا ، وَحُكْمُهُمَا مُتَمَيِّزٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُ الْأَعْرَابَ الْمُعْطَوْنَ مِنَ الصَّدَقَةِ دُونَ الْفَيْءِ الَّذِينَ هُمْ أَشْذَاذٌ مُفْتَرِقُونَ لَا يَرْهَبُهُمُ الْعَدُوُّ وَلَا يَسْتَعِينُ بِهِمُ الْإِمَامُ ، فَإِنْ قَوِيَ جَمْعُهُمْ وَكَثُرَ عَدَدُهُمْ حَتَّى رَهِبَهُمُ الْعَدُوُّ وَاسْتَعَانَ بِهِمُ الْإِمَامُ صَارُوا مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ التَّفْضِيلِ عَلَى السَّابِقَةِ وَالنَّسَبِ

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْضِيلِ عَلَى السَّابِقَةِ وَالنَّسَبِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أُسَوِّي بَيْنَ النَّاسِ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ قَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَجْعَلُ لِلَّذِينَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَهَجَرُوا دِيَارَهُمْ كَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ كَرْهًا ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ وَإِنَّمَا أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغٌ . وَسَوَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَيْنَ النَّاسِ وَلَمْ يُفَضِّلْ ، ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَهَذَا الَّذِي أَخْتَارُهُ وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ ، وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ الْمَوَارِيثَ عَلَى الْعَدَدِ فَسَوَّى ؛ فَقَدْ تَكُونُ الْإِخْوَةُ مُتَفَاضِلِي الْغَنَاءِ عَنِ الْمَيِّتِ فِي الصِّلَةِ فِي الْحَيَاةِ وَالْحِفْظِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ لِمَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ عَلَى الْعَدَدِ فَسَوَّى ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُغْنَى غَايَةَ الْغَنَاءِ وَيَكُونُ الْفُتُوحُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مَحْضَرُهُ إِمَّا غَيْرَ نَافِعٍ ، وإِمَّا ضَارًّا بِالْجُبْنِ وَالْهَزِيمَةِ ، فَلَمَّا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت