قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّمَا يُرِيدُ بِيَسَارِ الْمُعْتِقِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِقَدْرِ قِيمَةِ الْبَاقِي مِنْ رِقِّهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ ، فَاضِلَةٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ ، وَسَوَاءٌ صَارَ بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ فَقِيرًا أَوْ كَانَ غَنِيًّا . فَإِذَا تَحَرَّرَ عَتَقَ بَاقِيَهُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا ، وَكَانَ لَهُ وَلَاءُ جَمِيعِهِ بِعِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ وَعِتْقِ السِّرَايَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ بِهِمَا عَلَى سَوَاءٍ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، وَهُوَ مُعْتَقٌ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالسِّرَايَةِ ، وَسَوَاءٌ تَمَاثَلَ الْعِتْقَانِ ، أَوْ تَفَاضَلَا ، وَأَنَّهُ يَسْرِي عِتْقُ الْيَسِيرِ إِلَى الْكَثِيرِ كَمَا يَسْرِي عِتْقُ الْكَثِيرِ إِلَى الْيَسِيرِ ، وَاعْتِبَارُ يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ وَقْتَ الْعِتْقِ . فَلَوْ كَانَ مُوسِرًا وَقْتَ الْعِتْقِ مُعْسِرًا وَقْتَ التَّقْوِيمِ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِاللَّفْظِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ حُدُوثُ اعْتِبَارِهِ ، وَكَانَتِ الْقِيمَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ يُؤْخَذُ بِهَا إِذَا أَيْسَرَ . وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَعْتِقُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ ، فَمَا لَمْ يُحَاكِمْهُ الشَّرِيكُ فِيهَا ، كَانَتْ حِصَّتُهُ عَلَى وَقْفِهَا ، وَإِنْ حَاكَمَهُ فِيهَا وَطَلَبَ الْقِيمَةَ ، أَوْ فَسَخَ الْوَقْفَ لِيَتَصَرَّفَ فِي حِصَّتِهِ ، كَشَفَ عَنْ حَالِ الْمُعْتِقِ ، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ إِعْسَارُهُ حُكِمَ بِفَسْخِ الْوَقْفِ كَمَا يُحْكَمُ لِلزَّوْجَةِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ إِذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ وَجَازَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي حِصَّتِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ . وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا بِبَعْضِ الْحِصَّةِ مُعْسِرًا بِبَعْضِهَا ، عَتَقَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِصَّةِ قَدْرُ مَا أَيْسَرَ بِقِيمَتِهِ ، وَكَانَ فِيمَا أَعْسَرَ بِهِ مِنْهَا فِي حُكْمِ الْمُعْسِرِ .
مَسْأَلَةٌ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَكَانَ شَرِيكُهُ عَلَى مِلْكِهِ يَخْدِمُهُ يَوْمًا وَيَتْرُكُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا فَمَا اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ فَهُوَ لُهْ""
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَكَانَ شَرِيكُهُ عَلَى مِلْكِهِ يَخْدِمُهُ يَوْمًا وَيَتْرُكُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا فَمَا اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ فَهُوَ لُهْ في ملكية العبد". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَالْمُعْتَبَرُ بِإِعْسَارِهِ أَلَّا يَمْلِكَ قِيمَةَ الْحِصَّةِ الْبَاقِيَةِ لِشَرِيكِهِ ، وَلَا قِيمَةَ شَيْءٍ مِنْهَا وَقْتَ عِتْقِهِ ، فَإِنْ مَلَكَهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَدِ اسْتُحِقَّ فِيهَا يَصِيرُ بِاسْتِحْقَاقِهَا فِي الدَّيْنِ مُعْسِرًا بِهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا لَا يَسْتَحِقُّ تَعْجِيلَهُ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْيَسَارِ فِي عِتْقِ الْحِصَّةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فِي يَدِهِ مَا هُوَ مُقَرٌّ عَلَى مِلْكِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا فَفِيهِ قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الدَّيْنِ هَلْ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ ؟: أَحَدُهُمَا: يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْيَسَارِ ، إِذَا قِيلَ إِنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِعْسَارِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ