وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَقَدْ جَاءَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ مَعْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا [ آلِ عِمْرَانَ: ] . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:"لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ . أَيْ لَا تَرْجِعُوا إِلَى آرَائِهِمْ ، وَلَا تُعَوِّلُوا عَلَى مُشَاوَرَتِهِمْ . وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمَعَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ ، فَأُعْجِبَ عُمَرُ بِخَطِّهِ وَحِسَابِهِ ، فَقَالَ لِأَبِي مُوسَى أَحْضِرْ كَاتِبَكَ ، لِيَقْرَأَهُ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَزَبَرَهُ عُمَرُ وَقَالَ"لَا تَأْمَنُوهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمُ اللَّهُ ، وَلَا تُدْنُوهُمْ وَقَدْ أَبْعَدَهُمُ اللَّهُ ، وَلَا تُعِزُّوهُمْ وَقَدْ أَذَلَّهُمُ اللَّهُ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: مَا يَنْبَغِي لِقَاضٍ وَلَا وَالٍ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا ذِمِّيًّا ، وَلَا يَضَعَ الذِّمِّيَّ فِي مَوْضِعٍ يَفْضُلُ بِهِ مُسْلِمًا ، وَيُعِزُّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِمْ ، وَالْقَاضِي أَهْلُ النَّاسِ فِي هَذَا عُذْرًا ."
فَصْلٌ: مَجْلِسُ الْكَاتِبِ وَعَمَلُهُ عند القاضى . فَإِذَا اسْتَكْتَبَ الْقَاضِي مَنْ وَصَفْنَا ، وَأَحْضَرَهُ مَجْلِسَ حُكْمِهِ ، وَأَجْلَسَهُ فِي الِاخْتِيَارِ عَنْ يَسَارِهِ ، لِيُثْبِتَ مَا يَحْكُمُ بِهِ مِنْ إِقْرَارٍ ، أَوْ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ ، أَوْ تَنْفِيذِ حُكْمٍ يَذْكُرُ فِيهِ الْمَحْكُومَ لَهُ ، وَالْمَحْكُومَ عَلَيْهِ ، بِأَسْمَائِهِمَا ، وَأَنْسَابِهِمَا ، وَبِقَدْرِ مَا حَكَمَ بِهِ ، وَسَبَبَ حُكْمِهِ ، مِنْ إِقْرَارٍ ، أَوْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنْ حَلَّاهُمَا عِنْدَ الْجَهَالَةِ بِهِمَا كَانَ أَوْلَى . وَالْقَاضِي فِيمَا يَكْتُبُهُ الْكَاتِبُ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَيْهِ ، حَتَّى يَكْتُبَهُ مِنْ لَفْظِهِ ، أَوْ يَكْتُبَهُ الْكَاتِبُ بِأَلْفَاظِهِ وَالْقَاضِي يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، أَوْ يَقْرَأُهُ بَعْدَ كِتَابَتِهِ ، وَيُعْلِمَ فِيهِ الْقَاضِيَ بِخَطِّهِ ، وَيُشْهِدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، لِيَكُونَ حُجَّةً لِلْمُتَحَاكِمِينَ . وَيَكْتُبُ الْكَاتِبُ ذَلِكَ عَلَى نُسْخَتَيْنِ ، تَكُونُ إِحْدَاهُمَا فِي دِيوَانِ الْقَاضِي ، وَالْأُخْرَى بِيَدِ الْمَحْكُومِ لَهُ . فَإِنْ قَصَّرَ الْقَاضِي فِيمَا وَصَفْنَاهُ كَانَ مُفَرِّطًا فِي حُقُوقِ وِلَايَتِهِ ، وَمُفَرِّطًا فِي حُقُوقِ الْخُصُومِ ، وَإِنِ اسْتَوْفَاهَا سَلِمَ مِنَ التَّفْرِيطِ فِيهِمَا .
[ صِفَاتُ الْقَاسِمِ ] . مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَالْقَاسِمُ فِي صِفَةِ الْكَاتِبِ عَالِمٌ بِالْحِسَابِ صفة القاسم لَا يُخْدَعُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: لِأَنَّ الْقَاسِمَ أَمِينُ الْحَاكِمِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَاتِ الْكَاتِبِ ، مِنَ الْعَدَالَةِ ، وَالْأَمَانَةِ ، وَاسْتَكْمَلَ الْأَوْصَافَ الْأَرْبَعَةَ ، وَيَزِيدُ عَلَيْهَا: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْحِسَابِ ، وَالْمِسَاحَةِ ، وَالْقِسْمَةِ ، وَأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْقِيَمِ .