جَبْرًا بِإِرْضَاعِ اللَّبَنِ حِفَاظًا لِحَيَاةِ الْوَلَدِ ، وَأُعْطِيَتْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ ، وَلَوْ قِيلَ: لَا أُجْرَةَ لَهَا لِأَنَّهُ حَقٌّ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهَا وَعَجَزَ الْأَبُ عَنْهُ فَجَرَى مَجْرَى نَفَقَتِهِ إِذَا أَعْسَرَ الْأَبُ وَأَيْسَرَتِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَطْلُبَ رَضَاعَةُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَلِلْأَبِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهَا إِلَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ لَفَضْلِ حُنُوِّهَا وَإِشْفَاقِهَا وَلِإِدْرَارِ لَبَنِهَا عَلَيْهِ . وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَجِدَ مُتَطَوِّعًا بَرَضَاعِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَسْتُورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّ الْأَبَ أَحَقُّ بِهِ لِيَسْتَرْضِعَ لَهُ مَنْ تَطَوَّعَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ) وَلِأَنَّ رَضَاعَهُ مِنْ حُقُوقِ الْمُوَاسَاةِ الَّتِي تَسْقُطُ بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْغُرْمِ لِنَفَقَةِ الْوَلَدِ لَوْ تَطَوَّعَ بِهَا مُتَطَوِّعٌ سَقَطَ غُرْمُهَا عَنِ الْأَبِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بَرَضَاعِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إِنْ وَجَدَ الْأَبُ مُتَطَوِّعًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) وَلِأَنَّ رَضَاعَهَا أَحَظُّ لِلْوَلَدِ وَأَدَرُّ عَلَيْهِ وَأَمْرَأُ عَلَيْهِ فَصَارَتْ بِهِ أَحَقَّ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَجِدَ الْأَبُ مَنْ يُرْضِعُهُ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرِةِ الْمِثْلِ فَيَنْظُرُ فِي قَدْرِ نُقْصَانِ الْأُجْرَةِ ، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ زِيَادَةِ الْإِدْرَارِ وَفَضْلِ الِاسْتِمْرَاءِ كَانَتِ الْأُمُّ أَحَقَّ ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْأُجْرَةِ يُعْتَبَرُ فِي مُقَابَلَةِ نُقْصَانِ اللَّبَنِ ، وَتَتَرَجَّحُ الْأُمُّ لِفَضْلِ حُنُوِّهَا ، وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنْ فَضْلِ الْإِدْرَارِ وَالِاسْتِمْرَاءِ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ ، كَمَا لَوْ وُجِدَ مُتَطَوِّعًا ، فَإِنْ أَكْذَبَتْهُ الْأُمُّ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مُتَطَوِّعًا حَلَفَ لَهَا فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رَدَّتْ عَلَيْهَا فَإِذَا حَلَفَتْ صَارَتْ أَحَقَّ بِرَضَاعِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .