فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ حَكَمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ نُقِضَ حُكْمُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ حَكَمَ بِالْقُرْعَةِ بَيْنَ الْعَبِيدِ نُقِضَ حُكْمُهُ وَإِنْ حَكَمَ بِجَوَازِ بَيْعِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَبْحِهِ نُقِضَ حُكْمُهُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنْ حَكَمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ نُقِضَ حُكْمُهُ . وَهَذَا الْمَذْهَبُ مَعَ اسْتِبْعَادِهِ مُتَنَاقِضٌ . وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ النِّسَاءِ: ] . يَعْنِي إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ الرَّسُولِ . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إِلَى السُّنَنِ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ وَلِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَدَلَ عَنِ اجْتِهَادِهِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ حِينَ أَخْبَرَهُ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ . وَكَانَ لَا يُوَرِّثُ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رَوَى لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ، فَوَرَّثَهَا عُمَرُ . وَكَانَ يُفَاضِلُ بَيْنَ دِيَاتِ الْأَصَابِعِ حَتَّى رُوِيَ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ . وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ: لَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ أَمْسِ فَرَاجَعْتَ الْيَوْمَ فِيهِ عَقْلَكَ ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ ، أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ . وَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَكَانَتْ إِجْمَاعًا . وَلِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَصْلٌ لِلْإِجْمَاعِ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى مَا خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فَلَمَّا نُقِضَ حُكْمُهُ بِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ كَانَ نَقْضُهُ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْلَى . وَوُضُوحُ فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ يُغْنِي عَنِ اسْتِيفَاءِ أَدِلَّتِهِ ."
[ هَلْ يَتَعَقَّبُ الْقَاضِي حُكْمَ مَنْ قَبْلَهُ ] . مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَتَعَقَّبَ حُكْمَ مَنْ قَبْلَهُ وَإِنْ تَظَلَّمَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ نُظِرَ فِيهِ فَرَدَّهُ أَوْ أَنْفَذَهُ عَلَى مَا وَصَفْتُ"قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا تَقَلَّدَ عَمَلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَقَّبَ أَحْكَامَ مَنْ قَبْلَهُ وَلَا يَتَتَبَّعَهَا لِأَمْرَيْنِ: