فهرس الكتاب

الصفحة 3984 من 8432

فِي الْأَدَاءِ قَدْ تُقْبِلُ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ عَدُوَّانِ خِلَافَ الْفَاسِقَيْنَ ، إِذْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِحَالٍ ، وَإِنْ كَانَا عَدُوَّيْنِ لِلزَّوْجَيْنِ مَعًا ، فَفِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِهِمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا: لَا تَنْعَقِدُ كَالْفَاسِقَيْنِ: لِأَنَّ الْأَدَاءَ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا عَلَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِحَالٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ ظَاهِرُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ: أَنَّ النِّكَاحَ بِهِمَا مُنْعَقِدٌ ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُمَا أَدَاؤُهُ بِخِلَافِ الْفَاسِقَيْنِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْفَاسِقَيْنِ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا أَدَاءُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ ، صَحَّ مِنْهُمَا أَدَاءُ غَيْرِهَا مِنَ الشَّهَادَاتِ ، وَهَذَا لَوْ كَانَ الشَّاهِدَانِ ابْنَيِ الزَّوْجَيْنِ كَانَا كَالْعَدُوَّيْنِ: لَأَنَّ شَهَادَةَ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ مَرْدُودَةٌ ، كَمَا أَنَّ شَهَادَةَ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ مَرْدُودَةٌ ، فَإِنْ كَانَا ابْنِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِهِمَا: لِإِمْكَانِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِأَحَدِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ابْنَ الزَّوْجِ ، وَالْآخَرُ ابْنَ الزَّوْجَةِ ، فَفِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِهِمَا الْوَجْهَانِ الْمَاضِيَانِ . وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَ مِنِ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعَدُوَّيْنِ بِأَنَّ فِيهِمَا بُغْضِيَّةً لَا تَزُولُ ، وَلَيْسَتْ كَالْعَدَاوَةِ الَّتِي قَدْ تَزُولُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

مَسْأَلَةٌ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ

مَسْأَلَةٌ: ( وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ) بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ"لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ"وَأَنَّ عُمَرَ رَدَّ نِكَاحًا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ ، فَقَالَ: هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ ، وَلَوْ تَقَدَّمْتُ فِيهِ لَرَجَمْتُ . وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا أَوْ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَوِ السُّلْطَانِ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) وَالنِّسَاءُ مُحَرَّمَاتُ الْفُرُوجِ ، فَلَا يَحْلُلْنَ إِلَّا بِمَا بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيَّنَ: وَلِيًّا وَشُهُودًا ، وَإِقْرَارَ الْمَنْكُوحَةِ الثَّيِّبِ ، وَصَمْتَ الْبِكْرِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ رُشْدُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ عَقْدِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ فَاسِقًا في عقد النكاح بَطَلَ عَقْدُهُ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِهِ سَوَاءً كَانَ الْوَلِيُّ مِمَّنْ يُجْبِرُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَبِ أَوْ مِمَّنْ لَا يُجْبِرُ كَالْعَصِبَاتِ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: إِنْ كَانَ الْوَلِيُّ مِمَّنْ يُجْبِرُ كَالْأَبِ بَطَلَ عَقْدُهُ بِالْفِسْقِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُجْبِرُ كَالْعَصِبَاتِ لَمْ يَبْطُلْ عَقْدُهُ بِالْفِسْقِ: لِأَنَّهُ يَكُونُ مَأْمُورًا كَالْوَكِيلِ ."

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِسْقُ الْوَالِي لَا يُبْطِلُ عَقْدَهُ

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِسْقُ الْوَالِي في النكاح هل يبطل عقده لَا يُبْطِلُ عَقْدَهُ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَحَكَاهُ قَوْلًا عَنْهُ: اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [ النُّورِ: 32 ] وَلِأَنَّ مَنْ تَعَيَّنَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَالزَّوْجِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ أَنْ يَقْبَلَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ ، جَازَ أَنْ يَلِيَ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرَهُ كَالْعَدْلِ: وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْفَاسِقِ تَزْوِيجُ أَمَتِهِ جَازَ لَهُ تَزْوِيجُ وَلِيَّتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ وَلِيًّا فِي نِكَاحِ ابْنَتِهِ ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْفَاسِقُ وَلِيًّا فِي نِكَاحِ ابْنَتِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت