فهرس الكتاب

الصفحة 3983 من 8432

كَالْقَصَاصِ ، وَلِأَنَّ مَا خُصَّ مِنْ بَيْنِ جِنْسِهِ بِشَاهِدِينَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَلَا أَحَدُهُمَا امْرَأَةً كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ شُهُودِ النِّكَاحِ بِانْفِرَادِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ شُهُودِهِ مَعَ غَيْرِهِمْ كَالْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ . فَأَمَّا الْآيَةُ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَمْوَالِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهَا وَلِتَخْصِيصِ عُمُومِهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْعُقُودِ فَمَرْدُودٌ بِمَا فَرَّقَ الشَّرْعُ بَيْنَهُمَا فِي وُجُوبِ الشَّهَادَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ مِنَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، فَلَا يَصِحُّ حَتَّى يَكُونَا عَدْلَيْنِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ بِفَاسِقَيْنَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ حُضُورَهُمَا لِلْعَقْدِ إِنَّمَا هُوَ حَالٌ ، فَحَمْلُ الشَّهَادَةِ وَعَدَالَةُ الشُّهُودِ إِنَّمَا يُرَاعَى وَقْتَ الْأَدَاءِ لَا وَقْتَ التَّحَمُّلِ ، أَلَا تَرَى لَوْ تَحَمَّلَ شَهَادَةً صَبِيٌّ ثُمَّ بَلَغَ ، أَوْ عَبَدٌ ثُمَّ أُعْتِقَ ، أَوْ كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمُ اعْتِبَارًا بِحَالِهِمْ وَقْتَ الْأَدَاءِ ، لَا وَقْتَ التَّحَمُّلِ كَذَلِكَ شَهَادَةُ الْفَاسِقِينَ فِي النِّكَاحِ . وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّهُ تَحَمَّلَ شَهَادَةً عَلَى عَقْدٍ ، فَجَازَ أَنْ يَصِحَّ مِنَ الْفَاسِقِينَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْعُقُودِ: وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ شَرْطًا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ لَمْ يُرَاعَ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَالزَّوْجَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ عَدُوَّيْنِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الزَّوْجَيْنِ صَحَّ أَنْ تَنْعَقِدَ بِشَهَادَةِ فَاسِقِينَ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ [ الطَّلَاقِ: 2 ] فَلَمَّا شَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الشَّهَادَةِ على النكاح عَلَى الرَّجْعَةِ - وَهِيَ أَخَفُّ - كَانَ اشْتِرَاطُهَا فِي النِّكَاحِ الْمُغَلَّطِ أَوْلَى ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ اعْتُبِرَتْ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَالْحُقُوقِ: وَلِأَنَّ كُلَّ نَقْصٍ يَمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الْأَدَاءِ وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِهَا كَالرِّقِّ وَالْكُفْرِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَةِ الْعَبْدَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقَيْنِ كَالْأَدَاءِ . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ حُضُورَ الْعَقْدِ حَالُ تَحَمُّلٍ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْعَدَالَةُ فَخَطَأٌ: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ إِنْ كَانَتْ تَحَمُّلًا فَهِيَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَدَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَجُوبُهَا فِي الْعَقْدِ كَوُجُوبِهَا فِي الْأَدَاءِ . وَالثَّانِي: أَنْ يُرَاعَى فِيهِ حُرِّيَّةُ الشُّهُودِ وَإِسْلَامُهُمْ وَبُلُوغُهُمْ ، كَمَا يُرَاعَى فِي الْأَدَاءِ وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ فِي تَحَمُّلِ غَيْرِهِ مِنَ الشَّهَادَاتِ ، فَكَذَلِكَ الْفِسْقُ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى فِسْقِ الزَّوْجَيْنِ: فَهُوَ أَنَّ الْعَدَالَةَ تُرَاعَى فِي الشَّاهِدَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ فِي الْعَاقِدَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا رُوعِيَ حُرِّيَّةُ الشَّاهِدَيْنِ على عقد النكاح ، وَإِنْ لَمْ يُرَاعَ حُرِّيَّةُ الزَّوْجَيْنِ ، كَذَلِكَ فِسْقُ الشَّاهِدِينَ . وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى شَهَادَةِ الْعَدُوَّيْنِ: فَمَذْهَبُنَا فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِهِمَا مَا نَذْكُرُهُ مِنِ اعْتِدَادِ حَالِهِمَا ، فَإِنْ كَانَا عَدُوَّيْنِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ دُونَ الْآخَرِ انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِهِمَا: لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت