نَفْسِهَا ، وَسَوَاءٌ عَيَّنَهَا أَوْ أَطْلَقَهَا: لِأَنَّ عَلَيْهِ النِّيَّةَ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَيِّنَ عَنْ أَيِّ كَفَّارَةٍ كَالْوُضُوءِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ عَنِ الْحَدَثِ ، وَلَا يَلْزَمَهُ عَنْ أَيِّ حَدَثٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ عَنْ أَيِّ كَفَّارَةٍ ، كَمَا يَلْزَمُهُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ مِنْ ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ ، فَيُقَالُ لَهُ: لَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ فِي قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ أَنْ يُعَيِّنَ عَنْ أَيِّ يَوْمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْكَفَّارَاتِ أَنْ يُعَيِّنَ عَنْ أَيْ حِنْثٍ ، فَلَا يَكُونُ فِي إِثْبَاتِهِ التَّعْيِينُ فِي الْأَدَاءِ بِأَوْلَى مِنْ نَفْيِهِ لِلتَّعْيِينِ فِي الْقَضَاءِ ، فَاسْتَوَيَا ثُمَّ تَرَجَّحَ مَا ذَكَرْنَا بِاتِّفَاقِنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ صَلَاةً لَمْ يَعْرِفْهَا بِعَيْنِهَا وأراد قضائها لَمْ يُجْزِهِ فِي قَضَائِهَا أَنْ يَنْوِيَ قَضَاءَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، لِعَدَمِ التَّعْيِينِ ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ لَا يَعْرِفُ مُوجِبَهَا أَجْزَأَهُ أَنْ يَنْوِيَ بِالتَّكْفِيرِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَعُلِمَ أَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبٌ ، وَتَعْيِينَهَا فِي الْكَفَّارَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ . فَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ فِي تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ الطَّهَارَةِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيُّ عَنِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْمُزَنِيِّ: لِمَ افْتَقَرَتِ الصَّلَاةُ إِلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ ، وَلَمْ تَفْتَقِرِ الطَّهَارَةُ إِلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ ، فَقَالَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُرَادُ لِنَفْسِهَا ، وَالطَّهَارَةَ تُرَادُ لِغَيْرِهَا ، وَهَذَا صَحِيحٌ . وَهَكَذَا الْكَفَّارَةُ تُرَادُ لِغَيْرِهَا ، وَهُوَ تَكْفِيرُ الْحِنْثِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ فِيهَا تَعْيِينُ النِّيَّةِ . وَالْفَرْقُ الثَّانِي: قَالَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ الطَّهَارَةَ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ ، وَهُوَ مَا سَبَقَ مِنَ الْحَدَثِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُ ، وَالصَّلَاةُ لِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ، فَجَازَ أَنْ يَلْزَمَ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِيهَا ، وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَهَكَذَا الْكَفَّارَةُ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ ، وَهُوَ مَا سَبَقَ مِنَ الْيَمِينِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِيهَا . فَإِنْ قِيلَ: النِّيَّةُ فِي الْكَفَّارَةِ أَغْلَظُ مِنْهَا فِي الطَّهَارَةِ: لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ أَنَّهَا عَنْ نَوْمٍ ، فَكَانَتْ عَنْ بَوْلٍ أَجْزَأَهُ ، وَلَوْ نَوَى بِعِتْقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ أَنَّهُ عَنْ ظِهَارٍ فَكَانَ عَنْ قَتْلٍ لَمْ يُجْزِهِ ، فَجَازَ أَنْ تَتَغَلَّظَ الْكَفَّارَةُ بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ ، وَإِنْ لَمْ تَتَغَلَّظْ بِهَا الطَّهَارَةُ . قِيلَ: إِنَّمَا أَجْزَأَتْهُ الطَّهَارَةُ وَلَمْ تُجْزِهِ الْكَفَّارَةُ ، بِمَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الطَّهَارَةَ تَرْفَعُ جَمِيعَ الْأَحْدَاثِ لِأَنَّهَا تَتَدَاخَلُ ، فَكَذَلِكَ أَجْزَأَتْ فِي مُخَالَفَةِ التَّعْيِينِ ، وَالْعِتْقُ لَا يُسْقِطُ جَمِيعَ الْكَفَّارَاتِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَدَاخَلُ ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَجُزْ فِي مُخَالَفَةِ التَّعْيِينِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَا يُجْزِئُ كَفَّارَةٌ حَتَّى يُقَدِّمَ النِّيَّةَ قَبْلَهَا أَوْ مَعَهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا النِّيَّةُ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ فَوَاجِبَةٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْمَالِ يَتَنَوَّعُ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا ، فَافْتَقَرَ الْفَرْضُ إِلَى تَمْيِيزِهِ بِالنِّيَّةِ ، وَلَهُ فِي النِّيَّةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ، تُجْزِئُهُ فِي إِحْدَاهَا وَلَا تُجْزِئُهُ فِي الْآخَرِ ، وَمُخْتَلَفٌ فِي إِجْزَائِهِ فِي الْأَمْرِ .