فهرس الكتاب

الصفحة 6203 من 8432

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ رُجُوعًا لِاحْتِمَالِهِ ، وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْ هَرَبِهِ بَعْدَ الْإِمْسَاكِ عَنْهُ لِاحْتِمَالِهِ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرَّمَ قَاتِلَ مَاعِزٍ بَعْدَ هَرَبِهِ دِيَتِهِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَا جَعَلْنَاهُ رُجُوعًا صَرِيحًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَوْجَبْنَا بِهِ ضَمَانَ النَّفْسِ إِنْ قُتِلَ بَعْدَهُ ، وَكُلُّ مَا لَمْ نَجْعَلْهُ رُجُوعًا صَرِيحًا لَمْ نُوجِبْ لَهُ بِهِ الضَّمَانَ .

مَسْأَلَةٌ لَا يُقَامُ حَدُّ الْجَلْدِ عَلَى حُبْلَى وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الْمُدْنَفِ وَلَا فِي يَوْمٍ حَرُّهُ أَوْ بَرْدُهُ مُفْرِطٌ

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَا يُقَامُ حَدُّ الْجَلْدِ عَلَى حُبْلَى ، وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الْمُدْنَفِ ، وَلَا فِي يَوْمٍ حَرُّهُ أَوْ بَرْدُهُ مُفْرِطٌ ، وَلَا فِي أَسْبَابِ التَّلَفِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا أُخِّرَ مَعَ وُجُودِ الْأَسْبَابِ الْقَاتِلَةِ ، وَهِيَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: حَبَلٌ يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ ، وَمَرَضٌ يَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ . فَأَمَّا الْحَبَلُ: فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمَحْدُودَةُ حُبْلَى حَامِلًا بِوَلَدٍ ، فَهُوَ مَانِعٌ مِنْ جَلْدِهَا كَمَا هُوَ مَانِعٌ مِنْ رَجْمِهَا ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلُهَا مِنْ زِنًا أَوْ حَلَالٍ: لِأَنَّ جَلْدَ الْحَامِلِ مُفْضٍ إِلَى تَلَفِهَا ، وَتَلَفِ حَمْلِهَا ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَحْظُورٌ . وَلِأَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِعُمَرَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَقَدْ أَمَرَ بِحَدِّ زَانِيَةٍ حَامِلٍ: إِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا . فَرَدَّهَا وَقَالَ: لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ . فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا وَهِيَ فِي نِفَاسِهَا ، فَإِنْ أَمِنَ مِنْ تَلَفِهَا فِيهِ جُلِدَتْ ، وَإِنْ خِيفَ مِنْ تَلَفِهَا فِيهِ أُمْهِلَتْ . وَرَوَى أَبُو جَمِيلَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ: فَجَرَتْ جَارِيَةٌ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ لِي: يَا عَلِيُّ انْطَلِقْ فَأَقِمِ الْحَدَّ عَلَيْهَا . فَأَتَيْتُهَا فَوَجَدْتُهَا يَسِيلُ دَمُهَا لَا يَنْقَطِعُ ، فَعُدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي وَجَدْتُ دَمَهَا يَسِيلُ لَا يَنْقَطِعُ ، فَقَالَ: دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا ، ثُمَّ اجْلِدْهَا ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . وَأَمَّا الْمَرَضُ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالسُّلِّ وَالْفَالِجِ ، فَيَكُونُ فِي النِّضْوِ عَلَى مَا سَيَأْتِي . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَرْجُوَّ الزَّوَالِ كَالْحُمَّى وَالصُّدَاعِ ، فَيُؤَخَّرَ الْمَحْدُودُ فِيهِ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ مَرَضِهِ: لِأَنَّ جَلْدَهُ فِي الْمَرَضِ الزاني غير المحصن مُفْضٍ إِلَى تَلَفِهِ . وَلَيْسَ يَخْلُو حَدُّهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ . إِمَّا أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ ، أَوْ حَدُّ الْمَرْضَى ، أَوْ يُؤَخَّرُ حَتَّى يَبْرَأَ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ: لِإِفْضَائِهِ إِلَى تَلَفِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت