فهرس الكتاب

الصفحة 7145 من 8432

ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَأَكْثَرِ التَّابِعِينَ ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ الْبَقَرَةِ: 225 ] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَقْصِدْهُ بِقَلْبِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ وَقَالَ: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [ الْمَائِدَةِ: 89 ] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَعْقِدْهُ بِعَزْمِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ ، وَلِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَائِشَةَ فِي صَدْرِ الْبَابِ ، وَقَدْ رَوَاهُ حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ: هُوَ كَلَامُ الْعَرَبِ ، لَا وَاللَّهِ ، وَبَلَى وَاللَّهِ . وَرَوَى طَاوُسٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَمِينَ فِي غَضَبٍ فَأَسْقَطَ الْيَمِينَ فِي الْغَضَبِ لِسَبْقِ اللِّسَانِ بِهَا وَعَدَمِ الْقَصْدِ لَهَا: وَلِأَنَّ لَغْوَ الْكَلَامِ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا تَجَرَّدَ عَنْ غَرَضٍ ، وَعَرِيَ عَنْ قَصْدٍ ، وَكَانَ مِنَ الْبَوَادِرِ وَالْمُلْغَاةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [ الْقِصَصِ: 55 ] ، فَكَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ فِيهِ مَعَ مَا قَارَنَهُ مِنْ مَحَايِلِ الشَّرْعِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ لَمْ تَخْلُ الْيَمِينُ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِغَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى سَبَقَ بِهَا لِسَانُهُ وَجَرَتْ بِهَا عَادَتُهُ ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ ، أَوْ قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِعَقْدِ يَمِينٍ فَلَا مَأْثَمَ عَلَيْهِ وَلَا حِنْثَ ، وَلَوْ نَزَّهَ لِسَانَهُ مِنْهَا كَانَ أَوْلَى ، لِئَلَّا يَجْعَلَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عُرْضَةً لِيَمِينِهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ [ الْبَقَرَةِ: 224 ] ، فَأَمَّا إِنْ قَالَ: لَا وَاللَّهِ ، بَلَى وَاللَّهِ ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ، كَانَ الْأَوَّلُ لَغْوًا: لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ وَكَانَتِ الثَّانِيَةُ مُنْعَقِدَةً ؛ لِأَنَّهَا اسْتِدْرَاكٌ فَصَارَتْ مَقْصُودَةً ، فَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ سَبَقَ بِهَا لِسَانُهُ لَغْوًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَلَا عَقْدٍ دِينِ فِيهَا فَلَمْ يُؤَاخَذْ بِهَا فِي الْبَاطِنِ ، وَكَانَ مُؤَاخَذًا بِهَا فِي الظَّاهِرِ ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ فِي أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِلَغْوِهَا فِي الظَّاهِرِ وَلَا فِي الْبَاطِنِ: لِأَنَّ كَفَّارَةَ الْحِنْثِ بِاللَّهِ مِنْ حُقُوقِهِ الْمَحْضَةِ ، فَاسْتَوَى فِيهَا حُكْمُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ، وَالْحِنْثُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْحُقُوقِ الْمُشْتَرِكَةِ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَلَمْ يُؤَاخَذْ بِهَا فِي الْبَاطِنِ لِاخْتِصَاصِهِ بِحُقُوقِ اللَّهِ ، وَكَانَ مُؤَاخَذًا بِهَا فِي الظَّاهِرِ لِاخْتِصَاصِهِ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت