مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"فَقَالَ تَعَالَى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ [ الْأَحْزَابِ: 52 ] . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْيِيرَ نِسَائِهِ فَاخْتَرْنَهُ ، حَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ طَلَاقَهُنَّ ، وَحَظَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهِنَّ اسْتِبْدَالًا بِهِنَّ ، فَخَصَّهُ بِتَحْرِيمِ طَلَاقِهِنَّ وَتَحْرِيمِ التَّزْوِيجِ عَلَيْهِنَّ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ، وَمُكَافَأَةً لَهُنَّ عَلَى صَبْرِهِنَّ مَعَهُ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ ضِيقٍ وَشِدَّةٍ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدِ نِسَائِكَ اللَّاتِي خَيَّرْتَهُنَّ فَاخْتَرْنَ اللَّهَ وِرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَهُنَّ التِّسْعُ اللَّاتِي مَاتَ عَنْهُنَّ بَعْدَ الْعَاشِرَةِ الَّتِي فَارَقَهَا ، فَصَارَ مَقْصُورًا عَلَيْهِنَّ ، وَمَمْنُوعًا مِنْ غَيْرِهِنَّ وَإِنَّ أَعْجَبَهُ حُسْنُهُنَّ . وَقِيلَ: إِنَّ الَّتِي أَعْجَبَهُ حُسْنُهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بَعْدَ قَتْلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْهَا ، فَجَازَاهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ طَلَاقِهِنَّ وَالتَّزْوِيجِ عَلَيْهِنَّ ، لِأَنَّهُ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ إِلَى النِّسَاءِ إِذَا اخْتَرْنَ أَزْوَاجَهُنَّ بَعْدَ أَنْ جَازَاهُنَّ بِالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [ الْأَحْزَابِ: 29 ] . وَالْمُحْسِنَاتُ هُنَّ الْمُخْتَارَاتُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْأَجْرُ الْعَظِيمُ هِيَ الْجَنَّةُ ، وَأْنَ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَهُنِ فِي الدُّنْيَا ، وَفَضَّلَهُنَّ عَلَى غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّسَاءِ بِتِسْعِ خِصَالٍ ، نَذْكُرُ تَفْصِيلَهَا مِنْ بَعْدُ مَشْرُوحَةً ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ."
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ ، قَالَ: كَأَنَّهَا تَعْنِي اللَّاتِي حَظَرَهُنَّ عَلَيْهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرَنَا فِي حَظْرِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَاقِ نِسَائِهِ بَعْدَ تَخْيِيرِهِنَّ ، وَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ عَلَيْهِنَّ ، فَأَمَّا تَحْرِيمُ طَلَاقِهِنَّ فَقَدْ كَانَ بَاقِيًا عَلَيْهِ إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ طَلَاقِهِ لِحَفْصَةَ وَاسْتِرْجَاعِهَا وَإِزْمَاعِهِ طَلَاقُ سَوْدَةَ حَتَّى وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ ، فَإِنَّمَا كَانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ النِّكَاحِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِ حُكْمِهِ وَنَسْخِهِ ، فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: أَنَّ تَحْرِيمَ النِّكَاحِ عَلَيْهِ كَانَ ثَابِتًا إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِدَلَالَةِ أَشْيَاءَ . أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ [ الْأَحْزَابِ: 52 ] وَكَانَ هَذَا عَلَى الْأَبَدِ . وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعْلَهُ مُقَابَلَةً عَلَى اخْتِيَارِهِنَّ عَلَى طَرِيقِ الْجَزَاءِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ رُجُوعٌ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَحْرِيمُ طَلَاقِهِنَّ بَاقِيًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ النِّكَاحِ عَلَيْهِنَّ بَاقِيًا: لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا جَزَاءٌ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ تَحْرِيمَ النِّكَاحِ عَلَيْهِنَّ نُسِخَ حِينَ اتَّسَعَتِ الْفُتُوحُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَاتَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ ، وَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ