وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيمَا كُرِهَ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا اسْتُحِبَّ مِنْهَا ، وَهُوَ مَا اسْتَثْنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا .
فَصْلٌ: فِي شُرُوطِ الْبَيْعِ فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا فِي حَقِيقَةِ الْبَيْعِ وَانْتِقَالِ الْمِلْكِ بِهِ: فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ مَا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُفْسَخَ بِهِ الْبَيْعُ . فَقَالَ: وَجِمَاعُ مَا يَجُوزُ مِنْ كُلِّ بَيْعٍ آجِلٍ وَعَاجِلٍ ، وَمَا لَزِمَهُ اسْمُ بَيْعٍ بِوَجْهٍ ، لَا يُلْزِمُ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ حَتَّى يَجْتَمِعَا أَنْ يَتَبَايَعَاهُ بِرِضًا مِنْهُمَا بِالتَّبَايُعِ بِهِ وَلَا يَعْقِدَاهُ بِأَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، وَلَا عَلَى أَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، وَأَنْ يَتَفَرَّقَا بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ عَلَى التَّرَاضِي بِالْبَيْعِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ هَذَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيْعُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ إِلَّا بِخِيَارٍ ، أَوْ فِي عَيْبٍ يَجِدُهُ ، أَوْ شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ ، أَوْ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ - إِنْ جَازَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ - وَمَتَى لَمْ يَكُنْ هَذَا لَمْ يَقَعِ الْبَيْعُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ . وَحَكَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ مِثْلَهُ سَوَاءً . فَأَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنْ يُبَيِّنَ شُرُوطَ الْعَقْدِ ، وَشُرُوطَ الرَّدِّ . فَأَمَّا شُرُوطُ الْعَقْدِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا لَازِمًا في البيع فَأَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَبَايَعَاهُ بِرِضًا مِنْهُمَا بِالتَّبَايُعِ بِهِ حَتَّى لَا يَكُونَا مُكْرَهَيْنِ وَلَا أَحَدُهُمَا: لِأَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ لَا يَصِحُّ . وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَعْقِدَاهُ بِأَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْأَجَلَ الْمَجْهُولَ ، وَالشُّرُوطَ الْمُبْطِلَةَ لِلْعُقُودِ ، وَمَا وَرَدَ النَّهْيُ فِي تَحْرِيمِهِ مِنَ الْبُيُوعِ كَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ . وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَعْقِدَاهُ عَلَى أَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْأَعْيَانَ الْمُحَرَّمَةَ: كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ: كَالْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ . وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ شُرُوطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ ، فَمَتَى أُخِلَّ بِشَرْطٍ مِنْهَا ، فَسَدَ الْعَقْدُ . وَالرَّابِعُ: أَنْ يَفْتَرِقَا بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ عَلَى التَّرَاضِي بِالْبَيْعِ . وَهَذَا شَرْطٌ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ بَعْدَ وُقُوعِ صِحَّتِهِ . وَكَانَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَضُمُّونَ إِلَى الْأَرْبَعَةِ شَرْطًا خَامِسًا: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَبَايِعَانِ جَائِزَيِ الْأَمْرِ ، فَلَا يَكُونَا ، وَلَا أَحَدُهُمَا ، مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ ، أَوْ سَفَهٍ: لِأَنَّ بَيْعَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بَاطِلٌ . وَامْتَنَعَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا مِنْ تَخْرِيجِ هَذَا الشَّرْطِ الْخَامِسِ . وَأَجَابُوا عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا شَرْطٌ فِي الْبَائِعِ لَا فِي الْبَيْعِ ، وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا ذَكَرَ شُرُوطَ الْبَيْعِ ، وَهَذَا جَوَابُ الْبَغْدَادِيِّينَ .