فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمْ ، نُظِرَ فِي الشَّهَادَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ عَنْهَا ، فَإِنَّهُمْ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعَمَدُوهَا ، فَيَكُونُ قَدَحًا فِي عَدَالَتِهِمْ وَمُوجِبًا لِفِسْقِهِمْ ، وَيُعَزَّرُوا ، لِأَنَّهُمْ عَمَدُوا الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ . وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَتَعَمَّدُوهَا ، وَلَكِنْ سَهُوا فِيهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا فِي ضَبْطِهِمْ لَا فِي عَدَالَتِهِمْ ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي شَهَادَتِهِمْ إِلَّا فِيمَا تَحَقَّقُوهُ وَأَحَاطُوا بِهِ عِلْمًا . وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ بِعَمْدٍ وَلَا بِسَهْوٍ ، وَلَكِنْ بِشُبْهَةٍ اعْتَرَضَتْهُمْ يَجُوزُ مِثْلُهَا عَلَى أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالْعَدَالَةِ ، فَهُمْ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَضَبْطِهِمْ ، لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي غَيْرِ مَا رَجَعُوا عَنْهُ ، فَإِنِ الْتَمَسَ الْمَشْهُودُ لَهُ يَمِينَ الشُّهُودِ عَلَى صِحَّةِ رُجُوعِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِحْلَافُهُمْ ، لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَلَوِ ادَّعَى الْمَشْهُودُ لَهُ أَنَّ الشُّهُودَ قَدْ رَجَعُوا وَأَنْكَرُوا الرُّجُوعَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إِحْلَافُهُمْ ، لِأَنَّهُ لَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ . وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنِّي بَرِئْتُ مِمَّا شَهِدُوا بِهِ ، وَقَدْ شَهِدُوا مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ وَطَلَبَ يَمِينَهُمْ لَمْ يَحْلِفُوا عَلَيْهِ . وَلَوْ أَحْضَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً تَشَهَّدُ عَلَى الشُّهُودِ بِرُجُوعِهِمْ ، قُبِلَتْ ، وَحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالرُّجُوعِ ، وَبَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ لِلْمَشْهُودِ لَهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ: يُضَمَّنُونَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ حَقِّهِ ، وَهَذَا خَطَأٌ ، لِأَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ .
[ الْقَوْلُ فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ] . فَصْلٌ: وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَرْجِعُوا بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ ، فَإِنْ كَانَ مَالًا ، لَمْ يَنْقُضْ حُكَمَهُ بِهِ وَأَمْضَاهُ ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . وَحُكِيَ عَنْ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُنْقَضُ الْحَكَمُ بِرُجُوعِهِمْ لِإِبْطَالِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِالرُّجُوعِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا نَفَذَ بِالِاجْتِهَادِ ، لَمْ يُنْقَضْ بِالِاحْتِمَالِ ، وَالِاجْتِهَادُ تَغْلِيبُ صِدْقِهِمْ فِي الشَّهَادَةِ ، وَالِاحْتِمَالُ جَوَازُ كَذِبِهِمْ فِي الرُّجُوعِ . وَالثَّانِي: أَنَّ فِي شَهَادَتِهِمْ إِثْبَاتُ حَقٍّ يَجْرِي مَجْرَى الْإِقْرَارِ ، وَفِي رُجُوعِهِمْ نَفِيُ ذَلِكَ الْحَقِّ الْجَارِي مَجْرَى الْإِنْكَارِ ، فَلَمَّا لَمْ يَبْطُلِ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ لِحُدُوثِ الْإِنْكَارِ ، لَمْ يَبْطُلِ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ لِحُدُوثِ الرُّجُوعِ .