الْبَيْعِ مُمْكِنٌ ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ بَقَائِهَا فِي يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِيهَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِيمَتِهَا ، بِخِلَافِ الْمَغْصُوبَةِ إِذَا أَبِقَتْ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا يَدٌ ، وَلَا هُوَ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَنَافِعِهَا قَادِرٌ ، وَلَيْسَ مَا اقْتَضَاهُ الشَّرْعُ مِنْ تَأْخِيرِ بَيْعِهَا إِلَى وَقْتِ الْوَضْعِ مُوجِبًا لِأَخْذِ الْقِيمَةِ: لِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى التَّسْلِيمِ ، كَالْمَغْصُوبَةِ إِذَا هَرَبَتْ إِلَى مَكَانٍ مَعْرُوفٍ ، يُؤْخَذُ الْغَاصِبُ بِرَدِّهَا ، وَلَا يُؤْخَذُ بِقِيمَتِهَا كَذَلِكَ هَذِهِ فِي مُدَّةِ حَمْلِهَا ، فَهَذَا وَجْهٌ لَمْ يُفْسِدْ مَا قَالَهُ مِنْ وَجْهٍ ثَانٍ ، وَهُوَ أَنَّ الْقِيمَةَ إِنَّمَا تُسْتَحَقُّ إِذَا مُلِكَتْ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا فِي الظَّاهِرِ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ إِذَا أَبِقَتْ يُحْكَمُ بِقِيمَتِهَا تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْفَوَاتِ وَهَذِهِ الْقِيمَةُ لَا تُمْلَكُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ فِي يَدِهِ إِمَّا كَالْعَارِيَةِ ، وِإِمَّا كَالرَّهْنِ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِوَاجِبٍ ، فَلِمَاذَا يُحْكَمُ بِهَا غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ وَلَا مُعَارَةٍ ، وَلَا مَرْهُونَةٍ ، يَفْسَدُ مِنْ وَجْهٍ ثَالِثٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ الرَّقَبَةِ وَالْقِيمَةِ ، وَأَحَدُهُمَا بَدَلٌ مِنَ الْآخَرِ ، فَلَمْ يَجُزِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا .
فَصْلٌ: وَأَمَّا وُجُوبُ قِيمَةِ الْوَلَدِ ولد أمة الإبن إذا استولدها الأب فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَا يَلْحَقُ بِالْأَبِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِبَقَاءِ رِقِّهِ ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَى الِابْنِ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ ، وَلَوْ نَاسَبَهُ لَنَاسَبَهُ بِالْأُخُوَّةِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ حُرًّا قَدْ لَحِقَ بِالْأَبِ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا تُجْعَلَ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ ، وَيَسْتَبْقِيهَا عَلَى رِقِّ الِابْنِ ، فَيَجِبُ عَلَى الْأَبِ غُرْمُ قِيمَتِهِ: لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَهْلَكَ رِقَّهُ بِالْحُرِّيَّةِ ، وَاعْتَبَرَ قِيمَتَهُ وَقْتَ الْوِلَادَةِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَقْتَ التَّرَافُعِ إِلَى الْقَاضِي وَهَذَا خَطَأٌ: لِتَقَدُّمِ اسْتِهْلَاكِهِ بِالْحُرِّيَّةِ عَلَى وَقْتِ التَّرَافُعِ إِلَى الْقَاضِي: لِأَنَّهُ عَتَقَ وَقْتَ الْعُلُوقِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّنِ الْوُصُولَ إِلَى قِيمَتِهِ إِلَّا عِنْدَ الْوِلَادَةِ ، فَلِذَلِكَ اعْتَبَرْنَاهَا فِيهِ ، وَلَوْ أَمْكَنَ الْوُصُولُ إِلَى قِيمَتِهِ وَقْتَ الْعُلُوقِ لَاعْتَبَرْنَاهُ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَ أُمَّهُ أُمَّ وَلَدٍ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضَعَهُ بَعْدَ دَفْعِ قِيمَتِهَا ، فَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ قِيمَةُ وَلَدِهَا: لِأَنَّهَا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ قَدِ اسْتَقَرَّتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ ، فَصَارَتْ وَاضِعَةً لَهُ فِي مِلْكِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَضَعَهُ قَبْلَ دَفْعِ قِيمَتِهَا ، وَفِي وُجُوبِ قِيمَتِهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ ، مَتَى تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ فَأَصَحُّ قَوْلَيْهِ: أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِنَفْسِ الْعُلُوقِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ قِيمَةُ الْوَلَدِ: لِأَنَّهَا تَضَعُهُ بَعْدَ كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِالْعُلُوقِ مَعَ دَفْعِ الْقِيمَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ قِيمَةُ الْوَلَدِ: لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَقْتَ الْوِلَادَةِ أُمَّ وَلَدٍ . فَهَذَا حُكْمُ وَطْءِ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ ، وَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ بِنْتِهِ ، أَوْ بِنْتِ ابْنِهِ ، أَوِ ابْنِ بِنْتِهِ ، أَوْ مَنْ سَفَلَ مِنْ أَوْلَادِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ ، فَهُوَ زَانٍ ، وَالْحَدُّ عَلَيْهِ وَاجِبٌ إِنْ لَمْ يَجْهَلِ التَّحْرِيمَ ، بِخِلَافِ الْأَبِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي التَّسْمِيَةِ فِي الْإِعْفَافِ ، وَفِي الْحُرْمَةِ فِي الْقِصَاصِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الزِّنَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَاسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ إِنْ أَكْرَهَهَا ، وَفِيهِ إِنْ طَاوَعَتْهُ