طَوَافَهُ وَأَعَادَ سَعْيَهُ [ لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ إِكْمَالِ الطَّوَافِ فَلَوْ فَرَّقَ سَعْيَهُ فَسَعَى ] سَبْعًا فِي سَبْعَةِ أَوْقَاتٍ ، فَإِنْ كَانَ تَفَرُّقًا قَرِيبًا أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ فِي الطَّوَافِ فَفِي السَّعْيِ أَجْوَزُ ، وَإِنْ قِيلَ فِي الطَّوَافِ لَا يَجُوزُ ، فَفِي جَوَازِهِ فِي السَّعْيِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ كَالطَّوَافِ . وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ يَجُوزُ: لِأَنَّ السَّعْيَ أَخَفُّ حَالًا مِنَ الطَّوَافِ ؛ لِجَوَازِهِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، فَلَوْ سَعَى رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ كَانَ سَعْيُهُ مَاشِيًا أَحَبَّ إِلَيْنَا وَرُكُوبُهُ فِي السَّعْيِ أَيْسَرُ مِنْ رُكُوبِهِ فِي الطَّوَافِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا ، وَكَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، نَحَرَ وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ ، وَقَدْ فَرَغَ مِنَ الْعُمْرَةِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْعُمْرَةُ فَهِيَ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحِلَاقُ رُكْنٌ وَالطَّوَافُ رُكْنٌ وَالسَّعْيُ رُكْنٌ ، وَفِي الْحِلَاقِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نُسُكٌ يُتَحَلَّلُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [ الْفَتْحِ: ] ، فَوَصَفَ نُسَكَهُمْ بِالْحِلَاقِ أَوِ التَّقْصِيرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نُسُكٌ ، وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ عَنْ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ ، وَاللِّبَاسُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النَسَاءَ"وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً ، فَلَمَّا مَيَّزَهُ عَنِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ فِي الدُّعَاءِ لِفَاعِلِهِ ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى فَضِيلَتِهِ ، وَجَعَلَ ثَوَابَ الْحَالِقِ أَكْثَرَ مِنْ ثَوَابِ الْمُقَصِّرِ عَلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ بَعْدَ الْحَظْرِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ نُسُكٌ ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالظَّاهِرِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِبَاحَةٌ بَعْدَ حَظْرٍ وَهُوَ أَقْيَسُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ الْبَقَرَةِ: ] ، فَحَظَرَ الْحَلْقَ ، وَجَعَلَ لِحَظْرِهِ غَايَةً وَهُوَ التَّحَلُّلُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ نُسُكًا يَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ ؛ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ الْوَارِدَ بَعْدَ الْحَظْرِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [ الْمَائِدَةِ: ] ، فَكَذَا الْأَمْرُ بِالْحَلْقِ بَعْدَ تَقَدُّمِ حَظْرِهِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَوْ فَعَلَهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ ، لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ فِي وَقْتِهِ نُسُكًا ، كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ ، وَيَنْعَكِسُ بِالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ مِنْ حَيْثُ كَانَ نُسُكًا فِي وَقْتِهِ ، لَمْ تَجِبْ فِيهِ الْفِدْيَةُ بِتَقَدُّمِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ ، فَلَمَّا كَانَ الْحَلْقُ مُوجِبًا لِلْفِدْيَةِ قَبْلَ وَقْتِهِ ، ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ فِي وَقْتِهِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ تَوَجُّبُهُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَلْقِ ، فَالْإِحْلَالُ مِنَ الْعُمْرَةِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِمَا ، فَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ يُتَحَلَّلُ بِهِ ، فَإِذَا طَافَ وَسَعَى كَانَ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ .