فَأَمَّا الْمَحَبَّةُ لِاسْتِحْسَانِ الصُّوَرِ ، فَإِنْ كَانَتْ لِهَوًى يُفْضِي إِلَى رِيبَةٍ ، كُرِهَتْ وَإِنْ كَانَتْ لِاسْتِحْسَانِ صُنْعِ اللَّهَ تَعَالَى وَبَدِيعِ خَلْقِهِ ، لَمْ تُكْرَهْ وَكَانَتْ بِالْمُسْتَحَبَّةِ أَشْبَهَ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْعَصَبِيَّةِ في الشهادة: فَهِيَ شِدَّةُ الْمُمَايَلَةِ لِقَوْمٍ عَلَى قَوْمٍ ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَصَبِيَّتُهُ لَهُمْ عَامَّةً فِي كُلِّ حَقٍّ وَبَاطِلٍ ، وَعَلَى كُلِّ مُحِقٍّ وَمُبْطِلٍ ، فَهَذَا فِسْقٌ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [ التَّوْبَةِ: ] . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَصَبِيَّتُهُ لَهُمْ مَقْصُورَةً عَلَى أَخْذِ الْحَقِّ لَهُمْ ، وَدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ ، فَيَكُونُ بِهَا عَلَى عَدَالَتِهِ ، وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [ الْمَائِدَةِ: ] . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ:"أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أُعِينُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أُعِينُهُ ظَالِمًا ، فَقَالَ:"تَرُدُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ". ثُمَّ تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْعَصَبِيَّةُ ، فَإِنْ كَانَتْ لِمَحَبَّةِ الْقَوْمِ فَهِيَ مُبَاحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لِنُصْرَةِ الْحَقِّ فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ ."
[ الْقَوْلُ فِي الْبُغْضِ ] . فَصْلٌ: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الْبُغْضِ في الشهادة: فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مُسْتَحَبٌّ ، وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ . فَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ: فَهُوَ بُغْضُهُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي ، فَيَكُونُ بُغْضُهُ لَهُمْ طَاعَةً يُؤْجَرُ عَلَيْهَا لِاخْتِصَاصِهِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى . وَأَمَّا الْمُبَاحُ: فَهُوَ بُغْضُهُ لِمَنْ لَوَى حَقَّهُ وَتَظَاهَرَ بِعَدَاوَتِهِ ، فَيَكُونُ السَّبَبُ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مُبَاحًا ، وَلَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَثَّمُ بِهِ ، وَهُوَ فِيهِ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ ، مَا لَمْ يَتَجَاوَزِ الْبُغْضَ إِلَى غَيْرِهِ . وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ: فَهُوَ بُغْضُهُ لِمَنْ خَالَفَهُ فِي نَسَبٍ ، أَوْ عِلْمٍ ، أَوْ صِنَاعَةٍ ، فَيَكُونُ الْبُغْضُ لِهَذَا السَّبَبِ مَكْرُوهًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّقَاطُعِ .