فَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ: فَهُوَ الْمَحَبَّةُ فِي الدِّينِ ، وَظُهُورُ الْخَيْرِ ، وَمَا قَرَّبَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَبَاعَدَ مِنْ مَعَاصِيهِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ آلِ عِمْرَانَ: ] . وَلِذَلِكَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ . فَأَمَّا الْمُبَاحُ: فَهُوَ الْمَحَبَّةُ عَلَى النَّسَبِ وَعَلَى التَّجَانُسِ فِي عِلْمٍ أَوْ أَدَبٍ ، وَعَلَى مَا أُبِيحَ مِنْ صِنَاعَةٍ أَوْ مَكْسَبٍ ، فَهَذَا مُبَاحٌ تَقْوَى بِهِ الْعَدَالَةُ وَلَا تَضْعُفُ بِهِ ، وَلِهَذَا النَّوْعِ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ". هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَعْدَلُ خَلْقِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَحَبَّ قُرَيْشًا لِنَسَبِهِ فِيهِمْ حَتَّى خَصَّهُمْ بِخِلَافَتِهِ فَقَالَ:"الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ". وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَتَقَدَّمُوهَا ، وَتَعَلَّمُوا مِنْ قُرَيْشٍ وَلَا تُعَالِمُوهَا ،"وَحَمَى لَهُمْ لَمَّا عَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَدْرٍ وَمَعَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ سَلَامَةُ بْنُ وَقْشٍ وَقَدْ سَأَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَمَّنْ لَقِيَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ ، فَقَالَ سَلَامَةُ: وَهَلْ لَقِينَا إِلَّا عَجَائِزَ صُلْعًا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:"أُولَئِكَ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ"، فَنَفَى عَنْهُمُ الْعَارَ مَعَ كُفْرِهِمْ وَمُحَارَبَتِهِمْ لَهُ . وَسَمِعَ شَاعِرًا مِنْ حِمْيَرٍ يُنْشِدُهُ: إِنِّي امْرُؤٌ حِمْيَرِيٌّ حِينَ تَنْسِبُنِي لَا مِنْ رَبِيعَةَ آبَائِي وَلَا مُضَرَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ذَاكَ أَهْوَنُ لِقَدَرِكَ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنَ اللَّهِ". وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ: فَهُوَ الْمَحَبَّةُ عَلَى الْمُوافَقَةِ فِي الْمَعَاصِي ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"فَصَارَ مُحِبُّ الْعَاصِي كَالْعَاصِي .