فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 8432

يَنْقُضْهُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَمْسَكَ عَنْهُ ، وَلَوِ اسْتَفْتَى فَقِيهَيْنِ فَأَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِتَحْلِيلٍ ، وَالْآخِرُ بِتَحْرِيمٍ تقليد العامي للعالم ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بِالْأَخْذِ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، كَمَا كَانَ بِالْخِيَارِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى قَوْلِ أَحَدِهِمَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَأْخُذُ بِأَثْقَلِهِمَا عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ . فَهَذَا مَا فِي تَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ لِلْعَالِمِ ، وَلَمْ يَرُدَّهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالنَّبِيِّ عَنْ تَقْلِيدِهِ ، فَأَمَّا الْعَالِمُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَ عَالِمًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرُدَّ تَقْلِيدَهُ فِيمَا يُفْتِي بِهِ أَوْ يَحْكُمُ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَلِذَلِكَ أَجَازَ لِلْعَامِّيِّ الْقَضَاءَ لِيَسْتَفْتِيَ الْعُلَمَاءَ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ ، وَهَذَا خَطَأٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: ] . فَجَعَلَ فَقْدَ هَذَا الْعِلْمِ فِي سُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ تَقْلِيدُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ بِأَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ صَاحِبِهِ لَهُ ، كَالْمُبْصِرِينَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا تَقْلِيدُ صَاحِبِهِ فِي الْقِبْلَةِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَرُدَّ تَقْلِيدَهُ فِيمَا نَزَلَتْ بِهِ مِنْ حَادِثَةٍ ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِاجْتِهَادِهِ فِيهَا لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنِ الِاجْتِهَادِ هل يجوز للعالم أن يقلد عالم مثله فِيهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ فِيهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ ، وَيَصِيرُ كَالْعَامِّيِّ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إِلَى الدَّلَالَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَصَّلُ إِلَى الْحُكْمِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ بِالسُّؤَالِ عَنْ وَجْهِ الدَّلِيلِ فَيَصِلُ بِاجْتِهَادِهِ وَنَظَرِهِ بَعْدَ السُّؤَالِ وَالْكَشْفِ إِلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ ، فَهَذَا مَا فِي تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ لِلْمُجْتَهِدِ ، وَهَذَا الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ بِالنَّهْيِ عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ . فَصْلٌ: قَوْلُهُ:"لِيَنْظُرَ فِيهِ لِدِينِهِ"فَالْمَعْنَى بِالنَّاظِرِ هُوَ الْمُرِيدُ ، وَالنَّظَرُ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: نَظَرُ مُشَاهَدَةٍ بِالْبَصَرِ . وَالثَّانِي: نَظَرُ فِكْرٍ بِالْقَلْبِ ، وَمُرَادُهُ هُوَ الْفِكْرُ بِالْقَلْبِ دُونَ الْمُشَاهَدَةِ بِالْبَصَرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [ الْأَعْرَافِ: ] . يَعْنِي أَفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا بِقُلُوبِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ:"لِيَنْظُرَ فِيهِ لِدِينِهِ"تَأْوِيلَانِ عَلَى مَا مَضَى . أَحَدُهُمَا: فِي الْعِلْمِ . وَالثَّانِي: فِي مُخْتَصَرِهِ هَذَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ"لِدِينِهِ"فَلِأَنَّ الْفِقْهَ عِلْمٌ دِينِيٌّ ، فَالنَّاظِرُ فِيهِ نَاظِرٌ فِي دِينِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ"وَيَحْتَاطُ لِنَفْسِهِ": أَيْ لِيَطْلُبَ الِاحْتِيَاطَ لِنَفْسِهِ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْمَذَاهِبِ فَتَرَكَ التَّقْلِيدَ بِطَلَبِ الدَّلَالَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت