فَصْلٌ: وَأَمَّا الصِّيَامُ مكان آداءه فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مُعَيَّنَ الْمَكَانِ ، وَذَلِكَ صَوْمُ التَّمَتُّعِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [ الْبَقَرَةِ: ] ، فَيَصُومُهَا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِهِ فِي تَفْرِيقِهِ وَتَتَابُعِهِ . الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنِ الْمَكَانِ ، وَهُوَ مَا سِوَى صَوْمِ التَّمَتُّعِ ، فَهَذَا يُجْزِئُ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِ الْحَرَمِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ أَوْلَى لِشَرَفِ الْمَكَانِ ، وَقُرْبِ الزَّمَانِ ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ، وَإِنْ لَمْ يُجْزِهِ الْهَدْيُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ: لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَهْلِ الْحَرَمِ ، فَجَازَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ، وَالْهَدْيُ نَفْعٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ ، فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا فِي الْحَرَمِ ، ثُمَّ هُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مُقَدَّرًا بِالشَّرْعِ وَهُوَ صَوْمُ كَفَّارَةِ التَّعَبُّدِ ، فَلَا يَنْخَفِضُ وَلَا يَرْتَفِعُ . وَالثَّانِي: مَا كَانَ غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ ، وَهُوَ صَوْمُ كَفَّارَةِ الْبَدَلِ ، فَرُبَّمَا انْخَفَضَ وَرُبَّمَا ارْتَفَعَ ، ثُمَّ هَلْ تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَضَيَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَنْ وَطِئَ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، وَيُتِمُّ حَجَّهُ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) قَرَأْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، قُلْتُ إِنْ لَمْ تَكُنِ الْبَدَنَةُ إِجْمَاعًا أَوْ أَصْلًا فَالْقِيَاسُ شَاةٌ ؛ لِأَنَّهَا هَدْيٌ عِنْدِي". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْوَاطِئَ فِي الْحَجِّ بَعْدَ الْإِحْلَالِ الْأَوَّلِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْحَجِّ ، وَأَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ الواجبة على الواطئ في الحج بعد الإحلال الأول ، وَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا:"بَدَنَةٌ". وَالثَّانِي:"شَاةٌ"وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ، وَذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ الْإِحْلَالِ الْأَوَّلِ ، وَأَنْ يَكُونَ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إِنْ قِيلَ إِنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِنُسُكٍ ، وَاسْتَوْفَيْنَا جَمِيعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعَادَةٍ ."
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَمَنْ أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنَ الْمِيقَاتِ الَّذِي ابْتَدَأَهَا مِنْهُ ، فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ أَنْ تَقْضِيَ الْعُمْرَةَ مِنَ التَنْعِيمِ ، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ إِنَّمَا كَانَتْ قَارِنًا ، وَكَانَ عُمْرَتُهَا شَيْئًا اسْتَحْسَنَتْهُ ، فَأَمَرَهَا النَبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا لَا أَنَّ عُمْرَتَهَا كَانَتْ قَضَاءً ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا طَوَافُكِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْوَطْءِ ، سَوَاءٌ كَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ قَارِنًا وَمَضَى الْكَلَامُ فِي الْحَجِّ ، فَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَإِنْ وَطِئَ فِيهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهَا وَقَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ، أَوْ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ السَّعْيِ ، أَوْ قَبْلَ كَمَالِ جَمِيعِ السَّعْيِ ، فَقَدْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ ، وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ السَّعْيِ وَقَبْلَ الْحِلَاقِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْحَلْقِ ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ نُسُكٌ يُتَحَلَّلُ بِهِ أَفَسَدَ عُمْرَتَهُ ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ إِبَاحَةٌ بَعْدَ حَظْرٍ لَمْ يُفْسِدْ ، فَإِنْ أَفَسَدَ عُمْرَتَهُ كفارته لَزِمَهُ"