فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ عَدُوًّا لَهُمَا وَضَعَهَا فِي غَيْرِ كُفْءٍ . قِيلَ: رُشْدُهُ وَمَا يَخَافُهُ مِنْ لُحُوقِ الْعَارِ بِهِ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّوَهُّمِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ في النكاح . فَإِنْ قِيلَ: أَنَّ حَجْرَهُ جَارٍ مَجْرَى الْمَرَضِ كَانَ عَلَى وِلَايَتِهِ . وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ ، فَفِي وِلَايَتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا وِلَايَةَ لَهُ كَالسَّفِيهِ . وَالثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَحُّ -: أَنَّهُ عَلَى وِلَايَتِهِ: لِأَنَّ حَجْرَهُ وَإِنْ جَرَى مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ فِي مَالِهِ لَمْ يَجْرِ مَجْرَاهُ فِي عَدَالَتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَالشُّهُودُ عَلَى الْعَدْلِ حَتَّى يُعْلَمَ الْجَرْحُ يَوْمَ وَقْعِ النِّكَاحِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْعَدَالَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي شُهُودِ النِّكَاحِ عِنْدَ عَقْدِهِ هِيَ عَدَالَةُ الظَّاهِرِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّتِي يُرَاعَى فِيهَا عَدَالَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ عِنْدَ الْحُكَّامِ خَصْمًا جَاحِدًا ، فَاسْتُكْشِفَ لِأَجْلِهِ عَنْ عَدَالَةِ الْبَاطِنِ ، وَلَيْسَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ هَذَا الْمَعْنَى ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ إِلَّا عَدَالَةُ الظَّاهِرَ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَاكِمَ يَقْدِرُ مِنِ اسْتَبْرَاءِ الْعَدَالَةِ فِي الْبَاطِنِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ عَنْهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ عَنِ الْحَاكِمِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَعَدَالَةُ الظَّاهِرِ في الشاهدين في النكاح اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَالْإِقْلَالُ مِنَ الصَّغَائِرِ . فَإِذَا عَقَدَ الزَّوْجَانِ نِكَاحًا بِشَاهِدِينَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ، فَعَقْدُ النِّكَاحِ بِهِمَا صَحِيحٌ لِعَدَالَةِ ظَاهِرِهِمَا ، وَإِثْبَاتُهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ جَائِزٌ لِعَدَالَةِ بَاطِنِهِمَا . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ ، فَعَقْدُ النِّكَاحِ بِهِمَا صَحِيحٌ لِعَدَالَةِ ظَاهِرِهِمَا ، لَكِنَّ إِثْبَاتَهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِاسْتِبْرَاءِ عَدَالَةِ بَاطِنِهِمَا ، فَيَكْشِفُ عَنْ عَدَالَةِ الْبَاطِنِ وَقْتَ الْأَدَاءِ لَا وَقْتَ الْعَقْدِ . فَإِنْ صَحَّتْ لِلْحَاكِمِ ، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا فِي الْأَدَاءِ ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ ، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا فِي الْأَدَاءِ ، وَالنِّكَاحُ عَلَى حَالِهِ مِنَ الصِّحَّةِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمَا تَقَدُّمُ الْفِسْقِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَا فَاسِقَيْنِ ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ ، فَلَوْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ مَعَ تَقَدُّمِ الْفِسْقِ وَقْتَ الْعَقْدِ ، كَانَ الْعَقْدُ عَلَى فَسَادِهِ . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَا مَجْهُولَيِ الْحَالِ ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمَا عَدَالَةٌ وَلَا فِسْقٌ ، فَهُمَا عَلَى ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَالنِّكَاحُ بِهِمَا جَائِزٌ: لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَالَةُ وَالْفِسْقُ طَارِئٌ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: وَالشُّهُودُ عَلَى الْعَدْلِ حَتَّى يُعْلَمَ الْجَرْحُ يَوْمَ وَقْعِ النِّكَاحِ ، وَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ بِهِمَا مَعَ الْجَهَالَةِ بِحَالِهِمَا لَمْ يَحْكُمِ الْحَاكِمُ بِهِمَا مِنْ إِثْبَاتِ الْعَقْدِ عِنْدَهُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَاءِ حَالِهِمَا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ، فَإِذَا اسْتَبْرَأَهُمَا لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: